دكتور سوز وقضايا عصره في أدب الطفل

بقلم : داليا تونسي

في خمسينيات القرن العشرين والعالم يرزح تحت وطأة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية ويعاني من الصدمات الأخلاقية والثقافية ومراجعات واسعة للأفكار التي أنتجت الحرب، كان أدب الطفل بطبيعة الحال ما زال يعاني من التهميش، وصارت النزعة لفصل الطفل عن العالم المضطرب وحماية براءته من كل ما يلوث عوالم الكبار ضرورة تربوية وخطاب ثقافي يفرض نفسه على أدب الطفل. نجد مثلاً كتابا مثل ( سجلات نارنيا ) للأديب الإنجليزي المسيحي المتدين اس تي لويس، نجده يدخل الأطفال الذين أحضرهم من عالم البراءة عبر خزانة الثياب التي تفتح لهم بوابة نحو عالم الكبار الموازي، عالم شرور السلطة الإمبريالية وملِكات الثلج المهووسات بالتوسع والدمار.

بينما نجد كاتب قصص الأطفال الأمريكي د.سوز أكثر جراءة في تلك الحقبة الحساسة، فهناك دوما في نصوصه معنىً مستعاراً من عالم الكبار يقدمه كدرس مستتر في ثنايا قصة طريفة. د.سوز لم يتوانى أن يعرض على الأطفال خلاصة قضايا الحقبة، فكتب عن العدل والعنصرية والاستهلاك التجاري والسلام والبيئة وغيرها من المواضيع التي امتزجت بشخصيات اختلقها د.سوز وبعوالم مميزة خاصه به لم يسبقه أحد في ابتكار نماذجها الصورية حيث رسمها للطفل بفرادة، وما تزال حتى اليوم كتبه تواكب بل تتقدم عصرها.

“ييرتل الغرنيق” هو عنوان قصة كتبها سوز عام 1958 وهي ليست استثناءًا عن توجهاته الجريئة في مجال أدب الطفل. القصة تحكي عن غرنيق (ذكر السلحفاة) كان يملك بحيرة لكنه أراد أكثر من ذلك حين طلب من باقي السلاحف أن يتكدسوا في شكل عامود طويل حيث يقف هو في قمته ليفحص الأرض المحيطة وكل ما تقع عليه عيناه يصبح ملكه بشكل افتراضي. لكن مارك، الغرنيق سيئ الحظ في أسفل العامود، شعر بالإرهاق من عبء الحمل الثقيل فوق ظهره فطلب أن يستريح. تجاهل ييرتل المهوس بالجشع طلبه وأخذ يصرخ طالباً المزيد من السلاحف والمزيد من الصعود حتى يصل للقمر. القصة الطريفة تنتهي بأن يتجشأ مارك في الأسفل، فيهتز عامود السلاحف ليقع ييرتل في بحيرة الطين فيفقد هيبته وتتحرر السلاحف.

د.سوز أعترف في إحدى مقابلاته أن القصة تتحدث عن هتلر، عن الفاشية والإضطهاد الذي ساد أوروبا في ذلك الوقت. عن مجتمع ساد فيه أصحاب الصوت الأعلى وأمسك زمامه هتلر الأكثر حماقة بل الأكثر وقاحة في فرض قوانينه على البحيرة.

يسخر سوز من رغبة ييرتل، الغرنيق الإمبريالي، في تملك كل ما تقع عليه عيناه حين يصيح بصوت عال فوق أكتاف السلاحف: “أنا أملك الأبقار.. أنا أملك الحمير والشجر والقطط …” وكل الأشياء التافهة كما يريد سوز لنا أن نستنتج، ولكي يرى هذا الغرنيق ( ييرتل/ هتلر) المزيد والمزيد، لكي يرى ويملك أشياء هائلة وجميلة على مد بصره في أعلى عامود السلاحف، لابد أن يقف على ظهور المحجوبين عن الرؤية، هؤلاء الذين هم أقل حظاً منه في أسفل العامود.

سوز يجعلنا نرى بوضوح ذلك التسلسل الطبقي الذي ينزل ليصل لقاع البحيرة، إنه يرى بأن التغيير قد يأتي من خلال ردود الفعل الطبيعية “بالمعنى العضوي للكلمة” تلك التي تصدر عن هؤلاء المقهورين في القاع، وأن الفاشية التي رزح تحتها العالم في حكم هتلر كانت هشة، كما يزعم سوز، إنه درس تاريخي عميق وساخر أن تجشأة واحدة من سلحفاة مقهورة كانت كفيلة بأن تهدم كل شيء.

إنه درس للأجيال يقدمه أدب الطفل حين لا يقلق من التجسير بين ما يحصل لنا، ما نراه، ما نشعر به وتستهلكه أفكارنا بشكل واقعي، وبين السرد الفني من خلال الأدب. أليست هذه هي احدى وظائف التعبير الأدبي على أي حال؟ أن يجسر بين البشر وعوالم الأفكار التي تدور حولهم؟ ولماذا إذن على أدب الطفل أن يكون استثناءاً؟

حمّل مقالة “د. سوز وقضايا عصره في أدب الطفل”