الفلسفة للأطفال والمرح: هل الألعاب والمرح مهمان في مجتمعات التساؤل الفلسفي؟
جيسون تايلور
ترجمة: أمنية الحسن.
تحرير وتدقيق: منى عبد الله.
مراجعة: د. بدر الدين مصطفى – علوي السقاف.
Taylor, Jason. (2005). P4C and Playfulness: Are Games and Playfulness Important for Communities of Philosophical Inquiry? Analytic Teaching and Philosophical Praxis, 25(2), 61-76.
“جميع الآراء الواردة في هذه الدراسة تعبر عن المؤلف وليست مسؤولية معهد بصيرة أو دار بصيرة للنشر أو أي جهات أخرى متصلة بها من الجهات والهيئات الثقافية التنظيمية أو المانحة وغيرها”.
“إن جوهر المرح هو الانفتاح على كل ما قد يحدث”
جون كليز.
في صيف عام 2011م (وهو العام الثالث ليوركامب “”Eurekamp ) جلستُ تحت ظل إحدى أشجار القيقب النادرة في حرم جامعة ألبرتا أتغدَّى على حين كان طفلان من بين حوالي أربعين طفلًا يلعبان في الساحة الترابية بجانبي. كان ذلك يوم الأربعاء في الأسبوع الثالث من مخيم يوركامب للأطفال (من الصف الأول حتى الصف التاسع، ومدة المخيم أربعة أسابيع، وقد استقبلنا ما يقارب 150 طفلًا في ذلك العام)، أي أنه قد مرَّ وقت كافٍ للأطفال ليألف بعضهم بعضًا، وليتشجعوا على طرح الأسئلة حول مجموعة من الأنشطة ويستمعوا حقًّا إلى ما يقوله الأطفال الآخرون. كان الطفلان (صبي وفتاة) في سن السادسة (وهما أصغر المشاركين) يغرزان العصي في التراب بتمعُّن ثم -كما لو أن أمرًا تجلَّى- جهر الصبي:
أتساءل كيف كان الناس يعدُّون قبل أن توجد الأرقام؟
آبي: ماذا تعني بـ”قبل أن توجد الأرقام”؟ الأرقام حقيقية! لقد كانت موجودة دائمًا.
نوح: لا، الإله هو الذي خلق الأرقام.
آبي: لا، الإله لم يخلق الأرقام. إنها تسير بالترتيب 1-2-3-4. لا يمكن لأي قوة أن تجعلها 1-2-3-5، لذا فهي غير مخلوقة.
نوح: لمَ لا؟ لقد خلق الإله (غودزيلا)، لذا فهو قادر على جعل الأرقام 1-2-3-5.
آبي: لكن (غودزيلا) أقوى في نظري، فهو قادر على تدمير المدن وأشياء أخرى …
لا نحتاج إلى البحث كثيرًا لرؤية الموضوعات اللافتة والأسئلة الفلسفية الأصيلة التي تنشأ بعفوية في حوار أطفال في السادسة من العمر في مجالات يصفها الفلاسفة بأنها ميتافيزيقيا وفلسفة دينية. من الواضح أن نوحًا يتساءل عما إذا كانت الأرقام كيانات ضرورية أم لا، فهو يعتقد أنها ليست كذلك، بل هي مخلوقة (خلقها الإله)، على حين تعتقد آبي أن رأي نوح مستحيل، ولتدعيم اعتراضها اعتمدت على حجة تحتوي على افتراضات مضمرة تثير تساؤلات حول مدى قدرة الإله المطلقة: لأن الأشياء المخلوقة كان من الممكن أن تُخلق بشكل مختلف (افتراض أول)، ولأنه من المستحيل أن تكون الأرقام مرتبة بشكل مختلف عما نعرفه (افتراض ثانٍ)، فإنه يترتب على ذلك أن الأرقام لم يخلقها الإله.
على الرغم من أن هذا الحوار نشأ من تفكير نوح المستقل في وقت الغداء (خارج وقت الجلسات وغير مخطط له) إلا أن طبيعته تمثل النوع النموذجي من الحوارات التي تنشأ من الأنشطة والألعاب المخطط لها في (يوركامب). في الأجزاء اللاحقة من النقاش التي لم أتابعها بدقة كانت هناك مناقشة مرحة حول القوى الخارقة التي يمتلكها (غودزيلا) مقارنة بالإله مع استدلالات مختلفة تعتمد على صفات كل منهما وبدا كأنها تميل بكفة الميزان لأحدهما. بعبارة أخرى، تعاون الطفلان في تقديم وتقويم الخصائص المختلفة لكل منهما (غودزيلا – الإله) لإثبات ادعاءاتهما الضمنية. لقد أثار تطور هذا الجزء من النقاش اهتمامنا بالرد على الافتراض القائل بأن المرح واستخدام الألعاب غير مناسبين للسؤال الفلسفي، ونأمل هنا أن نُظهر عدم دقة هذا الرأي.
نسعى في هذا النقاش لإثبات ادعاءين عن طريق التفكر في تجاربنا في يوركامب:
أولًا: للألعاب جوانب توفر أرضًا خصبة يمكن الاعتماد عليها في تعزيز المشاركة الفلسفية طويلة المدى.
ثانيًا: أن سلوك المرح يتوافق مع ما صُمم التساؤل الحواري لتعزيزه من سلوك وتصرفات في المحاورين والميسِّرين، أي أننا نأمل أن نُظهر بأن إدماج المرح واللعب في مختلف الأنشطة والأساليب وحوارات الفلسفة للأطفال يبشر بإثراء تجربة مجتمع التساؤل الفلسفي. وبقدر معقولية طرحنا تقتضي حجتنا تضمين الألعاب واللعب والمرح.
ولنقدِّم حجج الدراسة، فإننا ننظر إلى بعض أدبيات الألعاب (على وجه الخصوص ما يناقش أهمية القواعد) وبعض أدبيات المرح (على وجه الخصوص ما يقدِّم المرح على أنه انفتاح تجاوبي) في محاولة لاستخراج بعض السمات الرئيسة لتلك المفاهيم بطريقة تساعد في التنظير بعناية أكبر حول تلك الأفكار القصصية المستمدة من تجارب يوركامب. سنحاول استخلاص ذلك من أدبيات فلسفة الرياضة
وأدبيات فلسفة التعليم (بما في ذلك ادعاءات جون ديوي المتعلقة بالتعلم التجريبي و”مفترق طريق الشك”) وآخر قضايا تيم سبرود حول رؤية نتائج حوارات مجتمع التساؤل الفلسفي مطبقة في الحياة اليومية.
الألعاب، وأهمية القواعد، والمشاركة الفلسفية
في هذا القسم نبحث في بعض أدبيات الألعاب في محاولة إثبات الادعاء القائل بأن للألعاب جوانب توفر أرضًا خصبة يمكن الاعتماد عليها في تعزيز المشاركة الفلسفية طويلة المدى. نبدأ باستعراض أعمال برنارد سوتس الإبداعية والفهم المهم للألعاب الذي قدَّمه. يقرر سوتس بأن اللعبة تُعرَّف بواسطة قواعدها بطريقتين على الأقل: الأولى: تحديد هدف النشاط والغرض منه عبر قواعد اللعبة التي تحدد شروط الفوز. الثانية: أن القواعد تحدِّد الأنشطة التي ينخرط فيها المشاركون في اللعبة. يقول سوتس: “اللعب هو الانخراط في نشاط موجَّه نحو إحداث حالة معينة، وذلك باستخدام الوسائل التي تسمح بها قوانين اللعبة فقط، إذ تحظر قوانين اللعبة استخدام وسائل أكثر كفاءة مفضِّلةً وسائل أقل كفاءة، وتُقبل هذه القوانين لمجرد أنها تجعل مثل هذه الأنشطة ممكنة”. لذا على سبيل المثال يتطلَّب الفوز في مباراة كرة القدم تسجيل أهداف أكثر من الخصم، وتحدِّد القوانين ما الذي يعنيه (تسجيل الهدف). علاوة على ذلك، إذا أردنا أن نغيِّر القوانين فإننا نغيِّر اللعبة: فإن سمحنا للَّاعبين بالتقاط الكرة والركض بها في الملعب، فإن اللاعبين لن يعودوا يلعبون كرة القدم. إن اللاعبين يلتزمون بالحدود التي تفرضها قوانين اللعبة عليهم لأجل اللعب. لا شك أن المتنافسين يدركون أن إيصال الكرة إلى نقطة معينة في الملعب سيكون أسهل عليهم إذا التقطوها، ومع ذلك يقبل اللاعبون هذه القوانين فقط ليشاركوا في هذه اللعبة. أطلق المؤلفون المعاصرون على هذه الميزة للألعاب اسم الغائية الذاتية (Autotelicity)، وهذه الأنشطة ذاتية الغاية تُعَدُّ “غايات في حد ذاتها” أو تُوصف بأنها “نشاط ذاتي، وغير موجَّه، ومستقل”.
يمكننا توضيح كيف تُطَبَّق هذه الحوارات في يوركامب ببحث لعبة واحدة، هي كلايوراماClayorama) ). تُلعب كلايوراما) هي لعبة متاحة مجانًا على الإنترنت( على النحو التالي: يمنح كل مشارك كمية من الطين (صلصال) مماثلة لما يُمنحه كل المشاركين، ويوجَّه لبناء كائن بأي شكل أو حجم ما دام ما يبنيه يمكن تحريكه دون أن ينهار. ويمكن للمشاركين أن يسمُّوا مخلوقاتهم، ويدوِّن الإحصائيات طرف محايد يصرِّح عن مغزى المهام التي أدَّوها. فكلما زادت أرجل المخلوق زادت قدرته على الحركة، وكلما زادت أذرعه زادت هجماته، وإذا كانت تلك الهجمات عن بُعد فإن ضررها أقل، وإذا كانت ضربات مباشرة فإن ضررها أكبر … إلخ. وبعد ذلك يجعل الأطفال هذه المخلوقات تتقاتل في معركة، ومع قليل من الحظ ينجح مخلوق واحد فحسب في الوقوف منتصرًا في نهاية النزال، على حين تُسحق المخلوقات الخاسرة مع صرخات من الألم عندما يحطمها “اللاعبون” (المشاركون في المخيم).
تظهر الجوانب الفلسفية المثيرة للاهتمام حين يسمح الميسِّرون في يوركامب للَّاعبين بلعب جولة ثانية بمخلوقات جديدة. يُسمح للأطفال في هذه الجولة الثانية بصنع كائنات جديدة بالشروط السابقة نفسها، لكننا نخبرهم أن المخلوقات ستوزع على المشاركين عشوائيًّا، فعلى الرغم من أن الطفل سيصنع مخلوقًا ما، فإنه على الأرجح سيخوض المعركة بمخلوق آخر من صنع غيره. ومع وجود العديد من التعديلات التي يمكن إجراؤها على لعبة كلايوراما، فإن هذا الاختلاف في الجولة الثانية من اللعب سيؤدي غالبًا إلى تساؤل عن العدالة.
في الأعوام الستة التي أقمنا فيها هذا النشاط يختار طفل واحد على الأقل كل عام صناعة شخصية لديها قوة هجومية ضعيفة أو نقاط حياة قليلة أو قدرة محدودة على الحركة (أو ليس لديها قدرة على الحركة)، أي صناعة شخصية تعاني نقصًا واضحًا. وفي جلسات مجتمع التساؤل الفلسفي يكشف هؤلاء الأطفال عن تعليلهم على غرار ما يلي:
ستانلي: حسنًا، هناك 16 لاعبًا غيري، لذلك من غير المرجح أن ألعب بمخلوقي، فإذا حصل وكنت في معركة ضد مخلوقي فإنه خير لي أن يكون أضعف، وربما سأضطر لمحاربته، وأنا أُفَضِّل أن أقاتل مخلوقًا ضعيفًا على أن أقاتل مخلوقًا قويًّا، لذلك يجب أن أصنع مخلوقًا ضعيفًا.
وبطبيعة الحال، إما بسبب الاحتمالات أو بسبب رغبة الميسِّرين، غالبًا ما يلعب بالمخلوقات أطفال آخرون غير أولئك الذين صنعوها، لذا فإن اللعب بها ينتج عنه دائمًا شعور بالسخط. ويُعَبَّر عن ذلك السخط في منتصف اللعبة أو في جلسات مجتمع التساؤل الفلسفي. إليكم مثال على إحدى الشكاوى:
هينا: ولكن مخلوقي فظيع، بالكاد يستطيع التحرك وليس لديه إلا هجمة واحدة ضعيفة، ولدى الآخرين هجمات أكثر. ليس لدي فرصة. لم أختر هذا المخلوق ولم يكن الأمر ممتعًا هذه المرة.
واستنادًا إلى مدى حدة الشكوى، نوقف المسابقة في منتصف اللعبة، لمعالجة هذه المخاوف التي حينما نحللها يمكننا فهمها على أنها سؤال حول العدالة.
لاحظ مع ذلك أن التعامل مع مسألة ما الذي يجعل شيئًا ما عادلًا- يبدو أنه ينشأ من التزام الطفل بلعبة كلايوراما (كما تحددها القوانين) والسياق العام لتوزيع الشخصيات العشوائي.
أي أنه ينشأ من قبول الطفل للغائية الذاتية للعبة. إن هدف كلايوراما ليس له قيمة جوهرية، إذ إن المناورة بطريقة أفضل من الخصم حتى يخسر الخصم نقاط حياته أولًا، إن هذا ليس شيئًا له قيمة في حد ذاته بل لا معنى له خارج حدود قواعد اللعبة، ولكن بمجرد الالتزام بطريقة اللعب يندمج الأطفال فيها، فيزعجهم ما في تجربتهم من ظلم ينشأ عند اللعب بمخلوق فيه نقص. إن القواعد والالتزام بها يؤسسان للالتزام بتساؤل الفلسفة للأطفال. (المزيد عن هذا الموضوع في القسم التالي).
المشاركة، وديوي والشك
لتعميق فهمنا لأهمية الألعاب في تعزيز المشاركة في جلسات مجتمع التساؤل الفلسفي يمكننا أن نعتمد على (مفترق طريق الشك) لجون ديوي، وذلك لفهم الأسس النظرية للفلسفة للأطفال. في جلسات مجتمع التساؤل الفلسفي تظهر الأسئلة الفلسفية في أثناء تجربة المثير، واللحظات التي تظهر فيها هي لحظات (مفترق طريق الشك). ونعني هنا المرحلة الأولى من نموذج التعلم ذي المراحل الخمس عند جون ديوي في التساؤل التفكري، وتقول هذه المرحلة بأن التربويين يستعرضون تجارب للطلاب حتى:
١) يجربوا بعض أنواع الشك.
٢) يقدموا تفسيرات أولية للتجربة تنتهي بفرضية.
٣) يعيدوا النظر في المعطيات المطروحة لمزيد من التوضيح.
٤) يعدلوا الفرضية المصوغة.
٥) يختبروا ويطبِّقوا الفرضية المحددة بالطريقة المناسبة.
لأجل أغراضنا هنا يجب التأكيد على دور الشك في هذه العملية. يرى ديوي أن التعلم يبدأ عندما ينقطع الفاعل عن عادته اليومية. يمضي يوم الفاعل كما هو متوقع، وعندما تتباعد التوقعات من الأحداث وتُكسر حالته غير التفكرية، يمكنه تفسير هذا التباعد وفحصه ووضع فرضيات حول الاختلاف ليفهمه، وكما يقول ديوي ينشأ الشك مع حدوث “صدمات، عوائق، انقطاعات، حواجز… تسبب انقطاعًا في المسار السلس المباشر للسلوك”. وفي نهاية المطاف، ستسمح الفرضية الناجحة (في مجتمعات التساؤل الفلسفي على سبيل المثال) للفاعل بتعديل توقعاته وعادته، أي أنه سيتعلم من التجربة.
وكما نرى في الأسلوب القصصي في الفلسفة للأطفال الذي يُعَدُّ نموذجيًّا للمناهج التاريخية (على سبيل المثال استخدام روايات معهد التقدم بالفلسفة (IAPC) ). الشك المثار يظل محصورًا في القصة (المثير)، وهكذا فإن الأطفال مدعوون لتجربة الشك لكنهم يفعلون ذلك على بعد خطوة واحدة من موضوع التجربة، وهو نوع من الشك من الدرجة الثانية، فليست الطفلة هي التي تساءلت أولًا عمَّا إذا كانت تستطيع أن تأكل الحيوانات وتحبها بل ليزا، وليست تجربة المشارِكة للسخرية (التجربة العميقة والغنية من الناحية الظاهراتية) هي التي أدَّت إلى التساؤل حول اختلاف السخرية عن التنمر بل الشخصية الخيالية سام من الكتاب المصور (ليوناردو الوحش الرهيب).
وفي هذا السياق ينشأ الشك من تجربة غير مباشرة تقوم عليها حواراتنا وتُستخلص منها، وفي حين أن الإجابات عن الأسئلة التي تطرحها القصص غالبًا ترتبط مباشرة بتجربة الأطفال عندما يحاكونها شخصيًّا، فإن مصدر السؤال والشك غير مباشر. إن انقطاع التفاعل مع السؤال عن مصدر السؤال (كونه غير مباشر) – يُعيقه على الرغم من قوته.
إن ما نقترحه بأن تكون الألعاب والأنشطة الأخرى مثيرات- مختلف عمَّا سبق. وفي سياق نقاشنا قد تغير الألعاب تجربة الفلسفة للأطفال وتزيد من التفاعل معها. ففي النشاط المثير (مثل اللعب) يمكن للأطفال أن يتجاوزوا التجربة غير المباشرة أو أن يعيشوها مباشرة. في الأسلوب القصصي يكون الحدث ذو الصلة الذي يؤدي إلى لحظة الشك- حدثًا لشخص آخر في الأساس، وأما في الأسلوب المبني على الأنشطة، فإن الأطفال يشاركون ويلتزمون مباشرة بنتائج النشاط الذي يثير السؤال الجوهري. إن التزام الطفل بخصائص “الغائية الذاتية” للعبة يُرسخ أساسًا قويًّا للنقاش، فالأطفال لا يقرؤون فقط عن هاري الذي يكتشف (أو يخترع!) قاعدته ولا يشهدون فقط حالة محتملة من الظلم، بل يخترعون القاعدة (أو يكتشفونها!) بأنفسهم ويشعرون بالظلم في اللعبة التي التزموا بها. وبقدر ما يكون هذا صحيحًا يمكننا القول إن (مفترق طريق الشك) تجربة حية، أي لم تَعُدْ تجربة الشك غير مباشرة، بل أصبحت محسوسة بسبب الالتزام بالنشاط الذي تنشأ منه التجربة.
توجد العديد من التجارب في مسألة العدل في كلايوراما، فالطفل الذي يُعطى الشخصية الناقصة إحصائيًّا (وربما الطفل الذي صنع المخلوق المعني) سيختبر مشاعر عميقة أقوى عمومًا من أولئك الذي لم يفعلوا ذلك، وفي حين أن أولئك الذين واجهوا الشخصيات الضعيفة قد يشاركونهم بعض السخط بسبب قدرتهم على التعاطف إلا أنه من المعقول القول بأنهم لن يشعروا بالظلم بقدر المشارِك المهان. وبقدر صحة هذا، فإن التجربة غير مباشرة للبعض دون البعض الآخر. ومع ذلك فإن هذا النطاق يعتمد جزئيًّا -على الأقل- على النشاط الفعلي وكيف يتكشف هذا النشاط، فمثلًا إذا كانت عملية صناعة المخلوق عشوائية (كما لو أمكن للمرشد تعيين الإحصائيات عشوائيًّا)، فإن الزخم المطلوب من المرجح أن يشمل عددًا أكبر من -إن لم يكن كل- المشاركين الذين التزموا بأهداف اللعبة. علاوة على ذلك ليس من الواضح أن هذه القضية تقوِّض النقطة العامة التي طُرحت، وهي الاختلاف الكبير في التجارب التي تؤدي إلى التساؤل لدى البعض، وإن كانت توضِّح بأن هذه التجارب تقع ضمن طيف معين.
إحدى طرائق الاستفادة من تلك الاختلافات: في أسلوب قراءة القصة التقليدي غالبًا يواجه الأطفال بعض المعضلات إلا أنهم يختارون الاستمرار في قراءة القصة متجاهلين بذلك ما يواجههم من معضلات، فهم يواجهون حالة لافتة ويُطلب منهم أن ينظروا فيها، لكنهم ليسوا ملزمين بذلك. أما في النهج القائم على النشاط كما هو حاصل في برامج المخيمات الصيفية، فإن هذه الاعتراضات ملحة بقدر لا يمكن للطفل فيه الاستمرار في اللعبة: إن اللعبة نفسها أصبحت موضع تساؤل ولا يمكن إكمالها بشكل مرضٍ دون مناقشة القضية.
على الرغم من أنه في المقام الأول ادعاء ظاهرياتي حول تجربة المثير، فإن هذا الشك المعيش -أو كما نتكهن- قد يعمل على سد الفجوة بين ما أسماه تيم سبرود (خطابات التسويغ) و(خطابات التطبيق). خطابات التسويغ: نقاشات تتسم بالحيرة وأغلب ما يُناقش فيها مشكلات مفاهيمية حول قضية ما مع اتِّباع هدي المُثُل التوجيهية للحوار، و”يحاول المشاركون فيها التوافق على قاعدة متنازع عليها (وهي مبدأ معمم ومجرد للغاية) متجاهلين مسائل التطبيق، ويمكن لهذا المبدأ أن يحقق إجماعًا” (سبرود، ٢٠٠١م، ١٠٧). وخطابات التطبيق: هي تلك المحادثات التي تنشأ عندما يسعى المشاركون إلى تطبيق استنتاجات الخطابات السابقة على أرض الواقع. في خطابات التطبيق يجب أن يبدأ الأطفال في تقويم مدى ملاءمة استنتاجاتهم في ظروف غير مثالية، أي كيف يتناسب تسويغهم مع العالم الحقيقي بمنأى عن بيئة التساؤل المعزولة عن العالم.
إن عيش التجربة المؤدية إلى الحوار يجعل خطاب التسويغ الناتج ركيزة لخطاب التطبيق. وفي حالة “كلايوراما” لا يمكن لأي إجابة عن السؤال “ما الذي يجعل اللعبة عادلة؟” أن تكون مقنعة دون تطبيقه مباشرة على اللعبة التي نشأ منها. إذا أخفقت الإجابة في فهم الظاهرة، وإذا لم تتلاءم مع “تعقيدات” العالم الحقيقي، فإنه نادرًا ما ستحمل استنتاجات خطابات التسويغ أي قيمة للأطفال. والاعتراض التالي: “لكن لعبة كلايوراما كانت متساوية منذ البداية، لذا لا يمكن أن تكون المساواة هي ما يُعَدُّ عدلًا!”- مصدر قلق كبير للمشاركين، ولا يمكن تجاهله بسهولة عندما يفترض الطفل أن المساواة هي العدل.
الوجه الثاني لمقدرة الألعاب على تغيير تجربة الفلسفة للأطفال هو الأهمية الكبيرة للقواعد في الألعاب (القسم السابق). تخلق القواعد نطاقات مصطنعة وحدود مفتعلة يكون فيها الأطفال مشاركين أو فاعلين. وعندما ينتهك الفاعلون تلك الحدود أو يتصرفون بفهم مغاير لهذا النطاق تُثار لحظات الشك. إن انتهاك القواعد يوقف الميل أو العادة التي نمت لدى الأطفال في تعاملهم مع قواعد اللعبة: كأن يفهم الخصم (وفي بعض الأحيان زميل في الفريق) الحدود فهمًا مختلفًا، ويكون هذا الاختلاف جسيمًا ويصبح من المستحيل الاستمرار في اللعب دون معالجة هذا الاختلاف في الفهم. والأسوأ من ذلك هو أن يرفض البعض قواعد اللعبة بالكامل: كأن يرفض خصمي ذاتية الغاية المفترضة للعبة. يتطلَّب اللعب (مسايرة) اللعبة، أي قبول قصور أفعالنا ونقص قدرتها على إكمال المهمة فقط من أجل اللعبة، ومن دون هذا القبول لا يمكن أن تكون هناك لعبة على الإطلاق. إذا واجه أحدنا -في مرحلة المدرسة الابتدائية ربما- معارضة أحدهم للعبة مقترحة، سيتذكر الاضطرابات الناتجة عن انتهاك المعارض لقواعد اللعبة المعمول بها. إن أفعالًا مثل هذه فيها سؤال ضمني لما يسوِّغ قيمة اللعبة نفسها. وفي تجربتنا غالبًا ما تكون هذه أكثر الجوانب إثارة للاهتمام مما ينشأ من مناقشة القواعد.
في كلتا الطريقتين يمكننا أن نرى كيف تساعد الألعاب في معالجة قضية لاحظها ديوي، وهي الحاجة لتهيئة “الظروف التي تثير الفضول وتوجِّهه. وحاجتنا إلى ربط التجارب التي ستزيد الاقتراحات، وتخلق مشكلات وأسبابًا تفضي إلى التتابع في تسلسل الأفكار” (ديوي، ١٩٣٣م، ص ٥٦-٧). هذه الشروط والقواعد تمثِّل بنية تتطلَّب التزامات من المشاركين حتى تبدأ اللعبة (أي أنها ذات غاية في ذاتها)، فتيسِّر الحافز الذي يؤدي إلى أن يكون الحوار عميقًا وذا مغزى (أي سد الفجوة بين التسويغ والتطبيق).
اللعب والفلسفة المبنية على الأنشطة
في هذا القسم سوف نوجِّه اهتمامنا نحو مفهوم اللعب لنعرف أهميته في جلسات مجتمع التساؤل الفلسفي، وسيتركز بحثنا على السلوك المرح بدلًا من فعل اللعب لتمييز مناقشتنا في هذا القسم عن القسم السابق. ونأمل أن نوضِّح كيف يُحَسِّن إدماج الفلسفة للأطفال في سلوك المرح ممارسةَ مجتمع التساؤل الفلسفي مع الأطفال. ولأن المرح سلوك، فهو يُظهِر نزعة وميلًا ما تجاه النشاط الذي نمارسه: يمكننا اللعب في العديد من الظروف (كمقدرتنا على اللعب في مكان العمل على سبيل المثال) أو العمل في مهام قد تبدو للوهلة الأولى مناسبة للعب (على سبيل المثال يرى الرياضيون رياضتهم على أنها حرفة على حين يتعامل معظمنا معها على أنها ألعاب). يجب توضيح أن المرح أمر متعلق بسلوكنا تجاه نشاط ما أكثر من تعلقه بخصائص النشاط نفسه، وعلى الرغم من أن المرح يرتبط بالرغبة في الاستمتاع، فإنه لا يقتصر على تلك الرغبة فقط، “إنه أسلوب للتعامل مع الأشياء، أسلوب للوجود في العالم، وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب ليس غريبًا عنَّا تمامًا، فإنه مختلف عن أسلوبنا عندما نتصرف على أننا لا نلعب” (هايلاند، ١٩٨٠م، ص ٨٨). حينما لا نلعب فنحن نكدح أو نعمل أو نكافح أو نرتاح أو نتعافى. يتضمن كل واحد من هذه التصرفات سلوكًا يختلف في كثير من النواحي عن كونه مرحًا.
عبَّر درو هايلاند عن إحدى السمات المهمة للمرح بما أسماه (الانفتاح التجاوبي). حينما نكون منفتحين تكون لدينا حساسية مفرطة ووعي بما يمكن أن نسهو عنه. لاعب كرة القدم المنفتح يدرك بحساسيته حجم الملعب وحركة اللاعبين الآخرين والاختلافات في أرضية الملعب نفسها، وكلها عناصر تشكِّل كيفية سير المباراة. تظهر فرص جديدة باستمرار وتختفي فرص أخرى، واللاعب واعٍ بهذه الفرص بقدر انفتاحه عليها، ومع ذلك تشير كلمة (تجاوبي) إلى أن مجرد الانفتاح لا يكفي لفهم المرح، إذ “يجب أن أكون قادرًا على التجاوب مع هذا الانفتاح بالطريقة التي يقتضيها الوضع” (هايلاند، ١٩٨٠م، ص ٨٩). إذا وُجدت الاحتمالات وكان لاعب كرة القدم غير قادر على الاستفادة من أي منها، فإنه -كما يقول هايلاند- من الصعب أن يُرى الرياضي على أنه يلعب لعبة كرة القدم. في الواقع إنه في هذه الحالة لا يختلف كثيرًا عن المتفرج اليقظ للمباراة.
ولنفهم المرح عمومًا: المرح هو هذه القدرة على الاستجابة للانفتاح الذي يؤسِّس لنجاحنا نحن الذين نلعب: “إن كوني لاعبًا يتطلَّب مني الاستجابة بأفضل ما أستطيع لأي احتمالات تُتاح لي بسبب انفتاحي على اللعبة” (هايلاند، ١٩٨٠، ص ٩٠). قد يكون من المثمر إذن أن نتصور الانفتاح التجاوبي على أنه وعي بالتحديات أو الألغاز أو الأسئلة فيما يتعلق بهدف النشاط الذي نمارسه، وعلى أنه القدرة على محاولة الاستجابة لسير وتكشُّف ما يواجه المرء. كل حالة نتعامل معها بمرح تعطينا مهمة وحاجزًا لنجتازه وعوائق لنتخطاها، وهي تتطلَّب منا ضمنيًّا مواجهتها عندما نعيها وتتعلق بأهدافنا العامة.
لمعرفة كيف يمكن أن يُطَبَّق هذا في الفلسفة للأطفال، فلنتأمل نشاطًا في يوركامب أسميناه التخيل التصميمي. في برنامج التخيل التصميمي نسمح للأطفال باستخدام بعض أو جميع الأدوات المتوفرة لإنتاج نشاط أو لعبة جديدة وفريدة من نوعها. تشتمل المعدات عادة على أشياء مرتبطة بالألعاب، مثل: سلال – حاويات – أنابيب الورق المقوى كبيرة الحجم – كرات وأقماع مخروطية، وتشتمل كذلك على عناصر قد لا تُعَدُّ من الوهلة الأولى متعلقة بالألعاب، مثل: أكياس التغليف البلاستيكية الفقاعية – ليمون – صناديق كرتونية – نباتات منزلية، ونحو ذلك. وبعد العمل في مجموعات صغيرة لتنفيذ المشروع، يُكَلَّف المشاركون بشرحه للآخرين، ويتضمن ذلك توضيح القواعد والغرض
من اللعبة وطريقة استخدام العناصر، وبعد ذلك يلعب الأطفال أكثر الألعاب متعة. صُمِّمت في هذا النشاط ألعاب تنافسية مع شروط واضحة محددة للفوز (مثل الألعاب الميدانية كلعبة التقاط العلم أو البولينج الجماعي) إلى جانب مهام تعاونية تتطلَّب أن تجتهد المجموعات وتتعاون معًا لصنع قطع شبه دائمة وفنية في ذات الآن.
يعتمد مجتمع التساؤل الفلسفي الذي يلي لعبة التخيل التصميمي على نوع الأنشطة التي مارسها الأطفال، فبخلاف كلايوراما على سبيل المثال، ليس لدينا موضوعات محددة مسبقًا نتوقع مناقشتها بعد النشاط، ومع ذلك يمكننا في كثير من الأحيان التنبؤ بها: في بعض الأحيان يستكشف مجتمع التساؤل الفلسفي ما إذا كان ممكنًا أن يُعَدَّ المقترح أمرًا جديدًا حقًّا (إما لأنه يشبه بعض الألعاب الأخرى الموجودة بالفعل وإما لأن مجموعتين فرعيتين صنعتا مشروعين متشابهين) أو يستكشف مجتمع التساؤل الفلسفي قيمة لعب الألعاب عمومًا أو يستكشف كيف يمكننا أن نبين بفعالية غرض اللعبة للآخرين) وعادة ما ينشأ هذا الموضوع لأن من صمموا اللعبة كان لديهم شيء ما في ذهنهم عند تصميمها، ولكنه لم يُنقل إلى الآخرين بوضوح مما أدى إلى نتيجة مختلفة اختلافًا كبيرًا عن المقصود) أو -أخيرًا- ينشأ حوار حول العمل الجماعي والقيادة (بالنظر إلى الطريقة التي نجحت بها المجموعات في العمل معًا أو أخفقت بها في العمل معًا).
من الواضح أن التخيل التصميمي يهيئ جوًّا مناسبًا لتعزيز المرح ومزاولته، على سبيل المثال يُعرض على الطفلة عوامة سباحة ونبات منزلي وسلة حاويات متوسطة الحجم، ويُطلب منها أن تشعر بمزيد من الانفتاح على هذه الأشياء وعلى اقتراحات مجموعتها وعلى محيطها كذلك، ويُطلب من الطفلة أن تكون مبدعة في استعمال العناصر لإنجاز المهمة التي كُلِّفت بها، ويتضمن هذا كيف يمكن أن تُفَسِّرَ طبيعة المهمة ذاتها. علاوة على ذلك فإن نجاح المجموعة في الدعوة للعبة أو المهمة التي صنعوها يتوقف على قدرتهم على الاستفادة من انفتاحهم على الأشياء، وعرضها بطريقة جديدة وواضحة ومقنعة للآخرين. ويعتمد التقديم الناجح للمهمة على انفتاح الآخرين على المقترح الذي تطرحه كل مجموعة، فالمرح باعتباره سلوكًا يُمارس في أثناء تجربة المثير- مهم للغاية.
ومع ذلك علينا النظر فيما سوى أهمية المثير كونه مصدرًا للمرح، وذلك بأن ننظر إليه وهو سلوك في جلسات مجتمع التساؤل الفلسفي. باختصار نريد القول بأن المرح بوصفه انفتاحًا تجاوبيًّا مفيد جدًّا لمجتمع التساؤل الفلسفي سواء أللمشاركين أم للميسِّرين. إن إحدى الغايات الكبيرة من عمل مجتمع التساؤل الفلسفي هي تعزيز مجموعة من الاستعدادات المتعلقة بالتفكير لدى المشاركين. لنأخذ على سبيل المثال رأيَيْ كاتبَيْنِ حول هذه القضية: 1- يصف ليبمان (1991م) مجتمع التساؤل الفلسفي بأنه يعزز التفكير الإبداعي والنقدي في سياق اجتماعي مشترك مع اهتمام خاص بتطوير مهارات التفكير الأعلى رتبة. 2- ويتحدث سبرود (2001م) عن استخدام مجتمع التساؤل الفلسفي في تنمية الجوانب الخمسة للمنطق متضمنة التفكير النقدي والإبداعي والمنضبط والسياقي والمجسد. وفي نظرهما فإن التنمية الناجحة للمهارات المذكورة تتطلَّب الحوار مع مفكرين آخرين، فعند التحاور مع الآخرين يتمكن الأطفال من التعامل مع أفكار وحجج ووجهات نظر ما كانوا ليعرفوها دون الحوار، وفي بعض الأحيان يكونون قادرين على التفكير في أسئلة وقضايا لم يكن باستطاعتهم التفكير فيها من تلقاء أنفسهم (أي أنهم فكروا فيها بسبب الحوار).
أن تكون مرحًا في مجتمع التساؤل الفلسفي يعني أن تكون متجاوبًا ومنفتحًا لمحتوى الحوار وذلك بأن ترى أمثلة الآخرين وحججهم ووجهات نظرهم بارزة ومهمة، في حين أن مزاجًا آخر قد يحول دون ذلك (على سبيل المثال مزاج العمل وعقليته). أن تكون مرحًا يعني رؤية مساهمات الآخرين على أنها تمثِّل تحديًا أو مَهمة أو عقبة، وأنه يجب مراعاتها والأخذ بها والبناء عليها وتقويمها وإعادة تقديمها.
كل مشارِك يضع معيارًا ما، وكوننا لاعبين مرحين في الحوار فمهمتنا هي التعامل مع هذا التحدي بما يتسق مع تحقيق هدف التساؤل بالوقوف على الاعتقاد العقلاني. إن نجاح المشارِك في الحوار يقوم على التجاوب بأفضل الطرائق الممكنة التي تجعل التحديات تصب في البحث عن أكثر الاعتقادات منطقية. تبعًا لذلك يجب أن يهدف الأطفال إلى تعزيز الحوار بأن يتعاملوا مع الأمثلة ووجهات النظر والاقتراحات على أنها محاولات حثيثة لإعمال النظر في الأقوال التي يُبحث فيها في سعينا المشترك للوصول إلى الاعتقاد العقلاني.
يمكننا أن نلاحظ وجود انفتاح تجاوبي في جلسة مجتمع التساؤل الفلسفي التي تلت جلسات التخيل التصميمي. صنع الأطفال في نشاطهم آلة خيالية أسموها “آلة إعادة التدوير”، (The Upcycler)، وقد حصلت على أعلى نسبة من الأصوات بوصفها أفضل عمل إبداعي. هذه الآلة تُعيد تدوير الأشياء وتصنع أشياء جديدة. وبينما كان الأطفال يفكرون في أسباب تصويتهم جرى الحوار الآتي الذي تحول إلى مناقشة لمعيار اختياراتهم:
إميلي: حسنًا، لقد اخترت آلة إعادة التدوير لأنه لا توجد آلة يمكنها إعادة تدوير أشياء مثل … ويمكن صنعها في عشرين عامًا. … يوجد سبب وجيه لصنعها، سبب جيد!
الميسِّر: جيد، أنتِ ترين أن الأمر لا يتعلق فقط بكونها مبتكرة، بل يتعلق كذلك بسببين آخرين: السبب الأول هو أنه يمكن صنعها، والسبب الثاني هو أنه يوجد دافع جيد لصنعها. شكرًا لك، يمكنك اختيار شخص آخر للتحدث.
ماري إيف: اخترت آلة إعادة التدوير أيضًا، لأن كل الاختراعات الأخرى مريحة وملائمة للمستهلك فقط (الشخص الذي يشتريها)، أي أنها مخصصة فقط لاستخدام شخص واحد، ولا تفيد سوى هذا الشخص.
الميسِّر: إذن ما يميز آلة إعادة التدوير عن جميع الاختراعات الأخرى فيما ترين هو أنها تهدف إلى ما هو أكبر من مجرد راحة المستهلك.
سلمان: اممم .. حسنًا .. حسنًا .. لقد غيرت رأيي الآن، أنا أختار آلة إعادة التدوير لأنني أتفق مع إميلي وماري إيف، ولأنني أستطيع إعادة التدوير أيضًا، ولهذا فأنا أعلم أن ذلك ممكن.
في هذه الحالة سلمان منفتح انفتاحًا تجاوبيًّا على آراء إميلي وماري إيف إلى حد أنه يرى مشاركتيهما إجابات مقبولة لسؤال “ما الاختراع الأفضل؟”. إنها مقبولة جدًّا في الواقع لدرجة أن تضافر إجابتيهما مع التزام سلمان الحقيقي لاكتشاف الاعتقاد العقلاني يجعله يقتنع بتغيير وجهة نظره (مفترضين إعادة تقويم أهمية أو قوة أسبابه الخاصة) حول ما يُعَدُّ أفضل.
يرى ميسِّرو الفلسفة للأطفال أن المرح نافع للحصول على نظرة ثاقبة حول عملية الحوار الشاملة. في أثناء تدريب الميسِّرين على الحوار الناجح أُكِدَت نقطة في يوركامب وهي أن الميسِّرين ليسوا قادرين دائمًا -لأول وهلة على الأقل- على تمييز ما يقصده الطفل بتعليقه أو إدراك مدى تناسب مساهمته مع هيكل الحوار العام. قد يكون الأمر أن تعليقات الطفل ومساهماته على سبيل المثال لا تجيب حقًّا عن
السؤال إنما تروي حكاية، ومع ذلك كما يحدث غالبًا في الحوار مع أشخاص من جميع الأعمار (وليس الأطفال فقط)، فإن ما يسبق لظننا لما يقال أو كيفية تناسب بعض المشاركات مع السياق العام للحوار قد يكون خطأ. ومن شأن سلوك الانفتاح التجاوبي أن يقاوم الميل الذي يدفع بعض الميسِّرين والمشاركين إلى تسفيه مقترحات من هذا النوع أو استبعادها، فمن شأن هذا التعامل أن يشجع وجهة النظر التي ترى كل مساهمة قابلة لأن يُنظر فيها بجدية على أنها محاولة لتقدُّم الحوار. في حين أنه في نهاية المطاف ستُستبعد بعض الآراء أو تُتَجاهل كونها خارج الموضوع، فإن السلوك الذي يساعد على إضفاء المعقولية لأي مشاركة من الوهلة الأولى هو السلوك الذي يجب أن يتحلى به ميسِّرو برنامج الفلسفة للأطفال.
إن الميسِّر المنفتح على الحوار انفتاحًا تجاوبيًّا يجد نفسه أكثر استعدادًا لمتابعة النقاش تاركًا للأطفال توجيهه وإدراته بدلًا من أن يطرح الأسئلة ذات الإجابات التي يراها هو تستحق القبول أو التقدير. أحد الأمثلة على القصور في سلوك الانفتاح التجاوبي المناسب للحوار حدث في يوركامب في صيف عام 2013م عندما عملت إحدى الميسِّرات مع مجموعة من الطلاب في الصفوف بين الأول والثالث الابتدائي ممن حضروا مخيم يوركامب الفني، واستعانت بقصة النقطة لـ(بيتر إتش رينولد) لإثارة المناقشة بعد الاستماع لثرثرة طفل يدعي أنه لا يستطيع الرسم. تحكي القصة عن فتاة تدعى (فاشتي) تشكو عيبًا مشابهًا، فهي غير قادرة على الرسم أيضًا، وبتشجيع من معلمتها ترسم فاشتي نقطة صغيرة بالقلم في منتصف صفحة فارغة، فتطلب المعلمة من فاشتي التوقيع على الصورة ثم وضعها في إطار وتعليقها على الحائط. أُلهمت فاشتي واستكشفت جميع الطرائق المختلفة لرسم النقاط: كبيرة – صغيرة – بألوان مختلفة – نقاط مصنوعة من مجموعة نقط – نقاط مصنوعة من كل شيء ما عدا النقط.
وبعد قراءة الكتاب لعشرين طفلًا بدأ الحوار. وبينما يتكشف الحوار بدأ الأطفال بالحديث عن النقاط والطرائق المختلفة لرسمها بما في ذلك الطريقة المثيرة للجدل: “رسم النقطة برسم كل شيء عدا النقطة”، ومع تقدم المناقشة كان هناك بعض التساؤلات عما إذا كان هذا “الرسم غير المباشر” يُعَدُّ رسمًا، وأيضًا عما إذا كان يُعَدُّ رسمًا لنقطة. جلس الأطفال في تأمل هادئ (كما بدا) حول هذه القضية ثم تدخلت الميسِّرة بطريقة غير منفتحة وغير مستجيبة للحوار، وسألتْ بلطف: هل لي أن أسألكم؟ هل لاحظتم أن المعلمة طلبت من فاشتي التوقيع على الصورة؟ (وافقها الأطفال)، هل تعتقدون أن ذلك يجعل عملها فنًا؟ وهنا انتقلت الميسِّرة إلى سؤال جديد قد يكون سؤالًا رائعا للحوار، لأنها طرحت سؤالًا لقياس ما إذا كان فعل التوقيع معيارًا مقبولًا لـ(صناعة الفن)، لكن السؤال لم يكن ذا صلة في نظر الأطفال. دفعت هذه الخطوة حالة الحوار بأكمله إلى هذا السؤال.
ومن هنا أصبح الحوار تفكرًا وتبادلًا متكلفًا بين الأطفال. حاول الأطفال في ردودهم أن يحوِّلوا تركيزهم عن النقطة السابقة، ولكن كان من الواضح أنهم ما زالوا متعلقين بـ”الرسم غير النقطي” في موضوعهم السابق، وظهر التعبير عن ذلك التعلق بآراء لا تتصل بتعليقات الطفلة التي حاولت جاهدة أن تجيب عن سؤال الميسِّرة الجديد. وبطبيعة الحال فإن إصرار الميسِّرة هنا يوضح الافتقار إلى المرح (الافتقار إلى الانفتاح التجاوبي) تجاه القضية التي كانت مركزية في نظر الأطفال، ولهذا سرعان ما أصبح الأطفال مضطرين إلى التنقل هنا وهناك في الحوار بين الموضوعات، ويبدو أنهم وجدوا طلبات الميسِّرة لربط الردود بالمتحدث السابق- عائقًا بسبب تشعُّب تركيز الحوار. وعلى هذا النحو تعثر الحوار بسبب الافتقار للسلوك المرح المناسب في هذه الحالة، والذي إن كان موجودًا لأتاح للميسِّر الانخراط في الموضوع الذي كان الأطفال مهتمين به أكثر.
المرح واعتبار الفلسفة “قضية جدية”
وفي الختام دعونا نعود للافتراض الذي يؤسِّس لنقاشنا هنا: المرح والألعاب غير مناسبين لبرنامج الفلسفة للأطفال. وفيما يتعلق بما ناقشناه، يمكننا أن نصوِّر الاعتراض المحتمل الذي يتمثَّل تقريبًا في أن تضمين المرح والألعاب داخل عملية التساؤل (إما كونهما مصدر إثارة وإما كونهما سلوكًا أكبر يُنتهج عند التعامل مع التساؤل) – خطر محتمل. وقد يكون الاعتراض بأن المرح واللعب لا يتوافقان مع منهج الفلسفة للأطفال ويُخفقان في التعامل مع منهج مجتمع التساؤل الفلسفي- جديًّا، فعند استيعاب المرح قد يبدو أن اللعب في الحوار ينطوي على نوع من التقلب تجاه الآخرين وتجاه محتوى الحوار نفسه، وأن حوار مجتمع التساؤل الفلسفي عمل جاد، إذ يُكَلَّف الأطفال بأن يقفوا على المعتقدات العقلانية من بين جميع الفرضيات الموجودة، ومعرفة المعتقدات العقلانية ليس بالمهمة السهلة، إذ إنها قضية جدية للمتحاورين الجديين، لذا لا يصلح المرح للحوار.
وللتعامل مع هذه المسألة نضرب مثالًا: قد يعتقد المعترضون بأن الدعوة إلى المرح هي دعوة إلى الإسراف في الإبداع. إن المرح كونه سلوكًا حرًّا لا ينفصل عن مفهوم الانفتاح التجاوبي- يدعو الأطفال إلى نوع من العشوائية. في الفيلم الهزلي (كالفن وهوبز) عندما يلعب كالفن لعبة كالفنبول فهو مرح مع هوبز بقدر يجعلهما منفتحين على التغييرات والتحديات الجذرية التي يقترحها الآخر في حين يسعون لمواجهة تلك التغييرات لمصلحتهم. مثلًا قد يركض هوبز بكرة القدم ليسجل هدفًا، فيرد عليه كالفن بذكاء أن قواعد اللعبة تنصُّ على أن الأهداف يجب أن تُسجل باتجاهات متبادلة طوال المباراة، وهذا يعني أن هوبز خسر ست نقاط، وسرعان ما لاحظ هوبز أن الفوز باللعبة يتطلَّب الحصول على أقل عدد من النقاط لا على أكثر عدد منها في يوم الثلاثاء، وهكذا يستمر المرح.
وبالعودة إلى مجتمع التساؤل الفلسفي، يمكننا أن نرى أن هذا النوع من الإبداع غير مرغوب فيه في الحوار: نحن لا نرغب في هذا النوع من العشوائية مهما كانت إبداعية. نحن لا نريد أن نفتح الباب أمام أي مشاركة دون تمييز، ونحتاج عوضًا عن ذلك إلى أسلوب جدي أكثر حذرًا مما يستسيغه هذا النوع من المرح، أسلوب يأخذ بعين الاعتبار غايات الحوار، فالافتراضات والاعتراضات المرتبطة بها- ملحة وبحاجة إلى التعامل معها إن كان رأينا معقولًا. ويمكننا أن نؤسِّس لحجتنا بالتنويه بأن مجرد قبولنا للاعتراض المُقَدَّم لا يقوِّض ما طُرِح عن الألعاب حول فائدة طبيعتها ذاتية الغاية وفائدة قيود القواعد، وكليهما يبشِّران بقدر أعلى من انخراط الأطفال في جلسات مجتمع التساؤل الفلسفي.
ومع ذلك فإن الاعتراض نفسه يفترض أن المرح في حد ذاته لا يتوافق مع الاعتراف بالجدية أو الوقار، ونحن نرى خطأ هذا الافتراض. يجب ألا يؤدي انتهاج سلوك مرح إلى فتح الباب أمام الإبداع الجامح. تقديم مجاز تناظري هنا قد يكون مفيدًا: الرياضي (سواء أمحترفًا كان أم جامعيًّا أم ترفيهيًّا) المرح في رياضته يجب ألا يكون مستهترًا فيما يتعلق بهذا الالتزام، كذلك ليس من الحكمة أن يطلق العنان لإبداعه، فيجرب أي ضربة يستطيع تصورها في أي لحظة. على الرغم من المرح، فإن عليه أن يفكر في جميع الخيارات التي يتيحها له تصرفه المرِح بجدية وضمن القواعد المحددة، فهو يقيس بصدق كل استجابة محتملة على أنها خيار قابل للتطبيق لتحقيق جولة رياضية ناجحة، وهو يفعل ذلك مراعاة لقواعد اللعبة نفسها والغرض منها، وبهذه الطريقة يجب أن يكون إبداعه مقيدًا بحدود اللعبة، ومن شأن هذا أن يكبح جماح الإبداع المسرف. من دون هذا الاستيعاب يكون الرياضي مستهترًا، ولا يأخذ معايير النجاح في هذا المسعى على محمل الجد،
وسيكون مبدعًا ولكن بشكل مدمر. على الرغم من تعامل الرياضي مع الخيارات بإبداعية، فإن تركيزه ينصب على القيام بتحركات رياضية ناجحة ضمن الخيارات التي تحقق المرح.
وكذلك الأمر في الحوار. إن الإبداع الجامح الناتج عن المرح ليس هو ما نشجعه في هذه الحالة. يجب أن ينظر الأطفال دائمًا في مقترحات المشاركين المقدمة من منظور النجاح في الحوار بإيجاد اعتقاد معقول، أي أن الاستهتار ينشأ من الشعور بالانفتاح دون السعي في الوقت ذاته لهدف السؤال، فمع التجاوب يصبح المرح مختلفًا عن مجرد الوقاحة في الفعل. لذا فإن المشاركين في حوار مجتمع التساؤل الفلسفي يكونون مستهترين في حالة الإعراض عن المعنى الكامل لما يعنيه أن تكون مرحًا. إذا كانوا منفتحين فقط، وغير متجاوبين، فإنهم لا يأخذون الحوار نفسه على محمل الجد. والمتسائلون المنفتحون وغير المتجاوبين ليسوا بقلة، ففي تجربتنا على المستوى الجامعي في تطبيق منهج الفلسفة للأطفال وعملنا في يوركامب، كان لدينا أطفال أذكياء جدًّا لعبوا دور محامي الشيطان، حيث اختبروا كل فكرة فقط لمعرفة مدى متانتها، أو ليروا مدى قدرة طفل آخر على التعامل مع سيل الأمثلة المضادة للمقترحات. لكن مرة أخرى، هؤلاء المتحاورون منفتحون دون تجاوب مناسب لهدف التساؤل: الاعتقاد العقلاني.
إذا صحَّ هذا فإن تداعياته على برنامج تعليم الفلسفة للأطفال عمومًا تبدو واضحة. يمكن للممارسين في الصفوف الدراسية التقليدية اكتساب رؤى مهمة من سياقات التعليم غير التقليدية التي تدمج أساليب الفلسفة للأطفال في الألعاب وسلوك المرح. وهذه الأساليب المُضافة واعدة بإثراء تجربة الحوار في مجتمع التساؤل الفلسفي، وذلك بأن تدعو الأطفال إلى مزيد من المشاركة.
المراجع
Carlson, Chad. (2013). “Exploring the Depths of Play: Re-Calibrating Metaphysical Descriptions and Re-Conceptualizing Sources of Value.” Sport, Ethics and Philosophy, 7(3): 342-355.
D’Agostino, F., Fraleigh, W. and Morgan, W. (1995). Philosophical Inquiry in Sport, (2nd ed.). Champaign: Human Kinetics.
Deans, Thomas. (1999). “Service-Learning in Two Keys: Paulo Freire’s Critical Pedagogy in Relation to John Dewey’s Pragmatism.” Michigan State Journal of Community Service Learning (Fall): 15-29.
Dewey, John. (1933). How We Think. New York: Heath.
Dewey, John. (1938). Experience and Education. New York: Macmillan Company.
Dewey, John. (1949). Knowing and the Known. Boston: Beacon Press.
Dewey, John. (1980). The middle works, 1899-1924. Volume 9: 1916.
Gregory, Maughn. (2007). “A Framework for Facilitating Classroom Dialogue.” Teaching Philosophy, 30(1): 59-84.
Hyland, Drew. (1980). “The Stance of Play”, Journal of the Philosophy of Sport. 7: 87-99.
Meier, K.V. (1980). “An affair of flutes: An appreciation of play.” Journal of the Philosophy of Sport, 7.
Lipman, Mathew. (1975). Harry. Institute for the Advancement of Philosophy for Children, Mont Clair State College.
Lipman, Mathew. (1976). Lisa. Institute for the Advancement of Philosophy for Children, Mont Clair State College.
Lipman, Matthew. (1991). Thinking in Education. Cambridge: Cambridge University Press.
Morgan, William. (2008). “Further Words on Play.” Journal of the Philosophy of Sport, 35: 120-141.
Rawls, John. (1971). A Theory of Justice. Harvard University Press.
Reynolds, Peter. (2013). The Dot. Candlewick Press.
Simpson, John. (2013). “Creating Engaging Philosophy Summer Camps.” Philosophy in Schools: An Introduction for Philosophers and Teachers, Chapter 5. S. Goering, T. Wartenberg, and N. Shudak, (eds.) Routledge.
Sprod, Tim. (2001). Philosophical Discussion in Moral Education: The Community of Ethical Inquiry. Routledge Press.
Suits, Bernard. (1977). “Words on Play.” Journal of the Philosophy of Sport, 4(1): 117-131.
Suits, Bernard. (1978). The Grasshopper: Games, Life and Utopia. University of Toronto Press.
Vygotsky, Lev. (1962). Thought and Language. Cambridge, MA: MIT Press
Wartenberg, Thomas. (2007). Thinking on Screen: Film as Philosophy. New York/London, Routledge.
Wartenberg, Thomas. (2009). Big ideas for Little Kids: Teaching Philosophy Through Children’s Literature. Lanham: Rowman and Littlefield Education.
Wartenberg, Thomas. (2013). A Sneetch is a Sneetch and other Philosophical Discoveries: finding Wisdom in Children’s Literature. Oxford: Wiley-Blackwell.
Weber, Barbara. (2011). “Childhood, Philosophy, and Play: Friedrich Schiller and the Interface between Reasons, Passion and Sensation.” Journal of Philosophy of Education, 45(2): 235-250.
Willems, Mo. (2005). Leonardo the Terrible Monster. Hyperion Books.
Wilson, Rob. (2012). “Collaborative Inquiry Out of School: Philosophy Boot Camp, or the Endless Summer?”, keynote address, Federation of Australasian Philosophy in Schools Associations, biannual meeting, University of Wollongong.
Worley, Peter. (2010). The If Machine: Philosophical Enquiry in the Classroom. London: Bloomsbury Press.