ما معنى هذا الكأس وذلك القرش الميت؟
التساؤل الفلسفي برفقة الأشياء والأعمال الفنية والحِرَفية
سارة ليپتاي
مستشارة الفلسفة للأطفال، المملكة المتحدة
ترجمة: علوي السقاف.
تحرير وتدقيق: منى عبد الله.
مراجعة: د. بدر الدين مصطفى.

Liptai, Sara. (2005). What Is the Meaning of This Cup and That Dead Shark? Philosophical Inquiry with Objects and Works of Art and Craft. Childhood and Philosophy, 1(2), 537-554.
“جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن المؤلف وليست مسؤولية معهد بصيرة أو دار بصيرة للنشر أو أي جهات أخرى متصلة بها من الجهات والهيئات الثقافية التنظيمية أو المانحة وغيرها”.
تُرجم المقال بعد الحصول على الإذن الخطي من المؤلف.

الملخص:
يختلف توجُّه الفلسفة للأطفال في المملكة المتحدة عن الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، إذ يفضِّل التربويون في المملكة المتحدة مواد تعليمية محلية على مقررات ماثيو ليبمان وآن شارب الصادرة عن معهد التقدم بالفلسفة للأطفال (IAPC)، وكذلك يعتمدون على أصناف عديدة من المثيرات لا تقتصر على النص فحسب. إن كتب مقررات ماثيو ليبمان وآن شارب مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسياقات التعليمية والثقافية واللغوية في أمريكا الشمالية، وهذا مما يجعل نصوصها غامضة أحيانًا ومحيرة للطفل البريطاني. يتناول هذا المقال سبل تساؤل “جمالي”، كأن يكون التساؤل الفلسفي برفقة أعمال وحِرَف فنية، وغيرها من الأشياء، مثل: التحف الدينية والمستلزمات اليومية المصنوعة أو الطبيعية. ويتقصى المقال الاختلافات بين من ينطلق في تساؤله مما هو جمالي، ومن يتساءل بناء على نصوص معتادة، ويُعَيِّنُ فيه أهمية التساؤل الجمالي ونفعه. إن كون المثيرات غير النصية مقبولة بصفتها منطلقات للتساؤل الفلسفي لا يعني أنها

تعمل عمل النصوص ذاته. فإن باكورة التساؤل ومنطلقه في التساؤل الاعتيادي (أي في النص ذي الغرض الفلسفي) – مَعبر يَعْبُرُ منه المشاركون إلى عالم التساؤل الفلسفي، ولا يُعزَى إليه سمات جمالية. وللصورة أو للقطعة الموسيقية أو للعمل الحِرَفي جانب مادي يختلف عن النص، وسمات جمالية يتميز بها. هذه السمات تتطلَّب منهجًا للتساؤل يختلف عن المنهج المعتمِد على النص. إن ما يُكتَبُ عن التساؤل الجمالي في ازدياد بطيء نوعًا ما إلا أن ما يمتاز به التساؤل الجمالي من صفات لم يُتَقَصَّ منهجيًّا بعد. وبما أني أزعم أن بين التساؤل المعتمِد على النص والتساؤل غير المعتمِد على النص اختلافات مهمة في صفاتهما وفي التساؤل الذي ينطلق منهما، فلهذا آمل أن يكون لهذا المقال نفع في تقرير هذه الاختلافات.

الكلمات المفتاحية: التساؤل الجمالي – الأشياء – الأعمال الفنية – الأعمال الحِرفية.

بعض سمات التساؤل الفلسفي في المملكة المتحدة
يختلف توجُّه الفلسفة للأطفال في المملكة المتحدة عن الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، إذ يفضل التربويون في المملكة المتحدة مواد تعليمية محلية على كتب مقررات ماثيو ليبمان وآن شارب الصادرة عن معهد التقدم بالفلسفة للأطفال (IAPC). وكذلك يعتمدون على أصناف عديدة من المثيرات لا تقتصر على النص فحسب.

– اللغة
أحد أسباب ذلك قد تُعزَى لما في نصوص معهد التقدم بالفلسفة للأطفال (IAPC) من صعوبة على البريطاني. إن القراء الآخرين ممن يتحدثون لغات أخرى تتاح لهم نصوص معهد التقدم بالفلسفة للأطفال (IAPC) بترجمة رصينة للمجازات، في حين أن المشارك البريطاني في الفلسفة للأطفال يفتقر إلى لغة مجازية مشتركة تربطه بالأمريكي على الناحية الأخرى من الأطلسي -كما يصف جورج برنارد شو ذلك. إن كتب مقررات ماثيو ليبمان وآن شارب الصادرة عن معهد التقدم بالفلسفة للأطفال (IAPC) مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسياقات التعليمية والثقافية واللغوية في أمريكا الشمالية، وهذا مما يجعل نصوصها غامضة أحيانًا ومحيرة للطفل البريطاني. لذا يجب أن تُتَرجَمَ هذه الكتب لتجاوز مشكلة اللغة، وللتركيز عوضًا عن ذلك على المواضيع الفلسفية.

– مواد الفلسفة للأطفال في بريطانيا
سبب آخر محتمل لهذا الاختلاف هو غزارة إنتاج مواد الفلسفة للأطفال في بريطانيا، وهذا يُعزى إلى جهود تربويين بارزين في مجال الفلسفة للأطفال. عندما أدخلت كارين موريس (Karin Murris) الكتب المصوَّرة (وهي مواد متاحة في كل المدارس الأساسية في بريطانيا)
في منهج الفلسفة للأطفال، أتاحت بذلك السبيل للكثير من القراء الصغار للتعرف على الفلسفة للأطفال. وقد نشر روبرت فيشر (Robert Fisher) كذلك العديد من المجلدات لمواد في الفلسفة للأطفال منذ عام ١٩٩٦ تنوَّعت بين حكايات شعبية، وأساطير وخرافات، وأشعار وألعاب. ويطَّلع المعلمون عادة على أعماله . أعطى فيشر توجيهات وتعليمات دقيقة للمعلمين لتضمين التساؤل في جميع المواضيع الدراسية في المنهج الأساسي، والتربية الرياضية والفن والموسيقى. نُشِرَ مؤخرًا كتاب مدعم بصور ونصوص عن الفلسفة للأطفال في تعليم الموسيقى، وقد أُضِيفَ إلى مجموعة واسعة من المواد والمناهج في مجال الفلسفة للأطفال. إن كتاب جوانا هاينز (Joanna Haynes) (الأطفال فلاسفةً) الذي يتحدث عن نقاط انطلاق التساؤل الفلسفي دليل على توسُّع أنواع مثيرات التساؤل في بريطانيا، وهذا اقتباس منه: “قد يقرأ المعلمون نصًّا ما قراءة جهرية، فمثلًا يقرؤون قصة أو قصيدة أو تقريرًا صحفيًّا. وقد يجلبون غرضًا ما أو يعزفون قطعة موسيقية أو يعرضون مجموعة صور أو فيلمًا وثائقيًّا”.

التساؤل غير المعتمِد على النص
إن كون المثيرات غير النصية مقبولة بصفتها منطلقات للتساؤل الفلسفي، لا يعني أنها تعمل عمل النصوص ذاته. وفي حين أن الأدبيات حول التساؤل الجمالي آخذة في الازدياد، وإن كان ببطء، إلا أن خصائصها المميزة لا يبدو أنها قد خضعت للتحقيق المنهجي. وبما أني أزعم أن بين التساؤل المعتمِد على النص والتساؤل غير المعتمِد على النص اختلافات مهمة، سواء من حيث طبيعتهما أو طبيعة التساؤل المتولد عنهما، فإنني آمل أن تساهم هذه الورقة في مناقشة هذه الاختلافات.

إن مجموعة المثيرات التي ينصب عليها تركيزي هنا هي:
1. الأعمال الفنية والحِرَفية، وذلك يشمل: الفنون البصرية، والموسيقى، والرقص والدراما. وغالب ما سأذكره يدور حول المواد البصرية والموسيقية.
2. الأغراض اليومية: الطبيعية والمصنوعة. بعضها له أهمية خاصة مثل الملابس التي ترتبط بنُسُك دينية.

أرى أن بعض التساؤلات التي تنتج عمَّا ذكرت هي تساؤلات جمالية بالمفهوم الكانطي، وأخرى تختص بأسئلة نفسية واجتماعية، وليست جمالية حصرًا. على كل حال، فإن تجربتي تدعوني للقول بأنه لا يوجد ما يفصل بوضوح بين مجالات التساؤل هذه.
أتقصى في بقية المقال السمات المميزة لتساؤلات مشابهة معتمِدةً على مقاربات وتجربة عملية، وأتطرَّق إلى استعمال المثيرات الجمالية في سياقات غير جمالية. لن أتطرق إلى استعمال الشعر أو النصوص الإبداعية مثيراتٍ للتساؤل.

– صفة النصوص المكتوبة لغرض معين
إنما باكورة التساؤل ومنطلقه في التساؤل الاعتيادي (أي في النص ذي الغرض الفلسفي) – مَعبر يَعبُرُ منه المشاركون إلى عالم التساؤل الفلسفي، ولا يُعزَى إليه سمات جمالية. وللصورة أو للقطعة الموسيقية أو للعمل الحِرَفي جانب مادي يختلف عن النص، وسمات جمالية يتميز بها. هذه السمات تتطلَّب منهجًا للتساؤل يختلف عن المنهج المعتمِد على النص.

ما تختص به أعمال الفن وغيرها مما ينطلق منه التساؤل:
– الترجمة، المقارنات
توجد الأعمال الفنية والحِرَفية في مجال غير لفظي. كلُّ ما يُقال عنها ليس إلا ترجمة ذات طابع خاص، ولا بُدَّ أن تصبح الأفكار حولها ألفاظًا. يمكن تيسير الصعوبات التي تنشأ عن انتقال الفكرة إلى لفظ بأن توضع معايير لوصف هذه الأشياء ومساءلتها وتقويمها. إن عرض ما يزيد عن عمل واحد سواء أمن نفس النوع الفني أم من نوع مغاير- يكوِّن ارتباطًا بين الأعمال المعروضة يتيح مجالًا للمقارنة بينها، فيُسهم في تأسيس المعايير حتى في أذهان الأطفال.

قبل البدء بالعمل مع الأعمال الفنية والحِرَفية، فإن لعبة «الترابطات» بداية مناسبة للمقارنات وتشكيل المعايير:
يُعرَضُ على المجموعة مجموعة كبيرة من الأشياء الصغيرة اليومية، ويُطلَبُ من الأطفال اختيار غرضين مرتبطين ببعضهما واكتشاف العلاقة التي تربطهما أو اختيار ثلاثة أغراض مع تمييز الغرض غير المرتبط بالغرضين الآخرين. تُعَيَّنُ الترابطات والتمايزات ثم تُجمَعُ ضمن مفاهيم أعلى رتبة.
نفس هذه الأساليب تُطَبَّق على الأعمال الفنية والحِرَفية مع المجموعات المتقدمة، لكن دون وصف المفاهيم التي على الطلاب الالتفات إليها عند النظر في المثيرات. فعندما أعرض عملين ويبدأ الأطفال في وصفهما (قد يكون أحد العملين أو كلا العملين عملًا صوتيًّا كالموسيقى) أشجعهم في أثناء ذلك على أن يربطوا بين العملين. ومن شأن هذا أن يؤدي إلى المقارنات، ويتيح لي السؤال عن أساس المقارنة الذي يصل بنا إلى المعايير. إن في الأعمال ذات الكيان المادي (المحسوس أو المسموع) نفعًا كبيرًا للأطفال، خاصة للأطفال الأصغر سنًّا، والمتعلِّمين البطيئين وغير الواثقين من جميع الأعمار، وأولئك الذين يميلون إلى التعلم الحركي والبصري.
لنضرب مثالًا على ما نطرحه: تتيح قطعتان موسيقيتان معايير كالمدة الزمنية والبنية، والأسلوب، والآلات، والتراكب. هذا طبعًا علاوة على: النمط الفني، والحقبة الزمنية، والاستعمال، والأهمية الاجتماعية والدينية. ذلك أن القطعتين تختلفان في كل هذه الأبعاد المذكورة. إن ربط قطعة موسيقية بالرقصة التي تُؤدى عليها (السامبا مثلًا أو الباليه) – يوفر مساءلة للعملية الإبداعية التي تربط الموسيقى والحركة ضمن التقليد الشعبي للسامبا وبين ذهن مصمم رقصة الباليه. إن تحليل صورة وقطعة موسيقية وربط إحداهما بالأخرى- يتيح معرفة جوانب جديدة في كلا العملين. وهذا المنهج يمكِّن الأطفال من تكوين أفكار حول كلا العملين والربط الفكري بينهما، ويصعب حدوث هذا لولا تجاورهما.

– سياقات الأعمال الفنية
إن العمل الفني مصمم حسب قوانين متأصلة يمكن مناقشتها في التساؤل الفلسفي. مثل هذه المناقشة تكون فلسفية، بل هي جمالية إذا أردنا أن نكون دقيقين، لأنها تتعلق بمعنى العمل الفني وشكله. ومع ذلك، فإن الحوار عادة ما يتطرق أيضًا إلى اهتمامات اجتماعية وثقافية-نظرية وتاريخية.
إن للعمل الفني والحِرَفي معاني عديدة متضمنة، غير أن القدرة على التفكير الفلسفي والتعبير عن هذه المعاني برصانة لغوية لا يكفيان لفهم العمل الفني، فهناك عاملان آخران مهمَّان: أولهما: فهم العرف الثقافي السائد، مثل قواعد النوع الفني، فيختلف الارتجال في

التهويدات الموسيقية الشعبية عن الارتجال في سيمفونية لبيتهوفن، وعن عزف بيل إيفانز للجاز مثلًا. ثانيهما: أهمية فهم البيئة التاريخية والثقافية التي نتج فيها العمل الفني في التوصُّل إلى أكبر قدر من معاني العمل الفني. يُرَجَّحُ أن الأطفال يستفيدون استفادة أكبر من القطع الموسيقية المذكورة عندما يفهمون ما يميِّز كل عمل منها مقارنة بغيرها من الأعمال من نفس الطبيعة والحقبة.
إن للتساؤلات التي تتضمن كلًّا من فهم سياق القطعة الموسيقية وتفسير الأطفال لما في الأعمال الفنية من معنى- تأثيرًا تحرريًّا لمجموعة التساؤل. بغض النظر عن الخلفية الاجتماعية والمعرفة والفهم السابق عن الفنون، فإن المجموعات سرعان ما تكتسب درجة مدهشة من الانفتاح على تجارب فنية جديدة. (يمكن مثلًا الاستمتاع بالموسيقى دون معرفتها أو التفكير فيها، لكن لا يمكن لمنهج يخلو من إعمال النظر أن يُعمَلَ به في التساؤل الفلسفي، على حين أن مناقشة سبب تفضيل الناس لعدم التفكير بما يستمعون له من موسيقى- يُعَدُّ تساؤلًا فلسفيًّا بلا شك).
لذلك فإنني أحاجج بأن في التساؤل الفلسفي حول الأعمال الفنية والحِرَفية (أي ما أراه تساؤلًا جماليًّا) – تعقيدات ليست موجودة في التساؤل المعتمِد على النص. هذه التعقيدات تزيد التساؤل الجمالي ثراءً. إن للتساؤل عن الفنون أثرًا كبيرًا في الأطفال، كما يستبين هذا في مشروع أجرى تساؤلات دورية حول الفنون في لندن لتعزيز المعرفة العاطفية لدى الأطفال الذين يعانون ضعفًا فيها، وتعزيز مهارات الفلسفة للأطفال.
“يمكن مقارنة قطعة من الترانيم المقدسة بأغنية للمغنية جوان بايز، وبمغنٍ شعبي إفريقي، وبأحد الملحنين الإيطاليين في القرن العشرين وهو لوتشيانو بيري، في مؤلفه: «لأجل كاثي» (الذي ألَّفه لتغنيه زوجته كاثي بيربريان)، ويتضمن عمله الموسيقي هذا مجموعة واسعة من أصوات الحنجرة بما في ذلك الضحك وأصوات القطط، ولكنه يستبعد الغناء التقليدي. يمكن أن يؤدي التحليل المقارن لهذه القطع إلى مناقشة حول أمور مثل: مزاياها الفنية/الجمالية النسبية، والوظائف الجمالية والاجتماعية المختلفة التي تؤديها في سياقها التاريخي الخاص، والفرق بين وظيفتيْ الغناء والكلام للصوت البشري، وطبيعة الصوت البشري وكونه أداة موسيقية. تفاعل مجموعة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 9 و11 سنة مع أغنية «الفوغا الجغرافية» (The Geographical Fugue) وهي فوغا من أربعة أجزاء تُقرَأُ إيقاعيًّا ولا تُغَنَّى، وتفاعلوا كذلك مع موسيقى “الطبول الأفريقية”، و”لأجل كاثي”. وقد تأملوا في طبيعة الغناء والكلام، والمفاهيم الموسيقية وغير الموسيقية، وابتكروا مفاهيم موسيقية جديدة مثل “الغناء الكلامي” (الذي يوجد بالفعل باسم «غناء الكلام» (Sprechgesang)،

وقد استخدمه أرنولد شونبرغ وألبان بيرغ استخدامًا بارزًا، ومن المستبعد كون الأطفال قد علموا بذلك) و«الدندنة»، أي استخدام الصوت البشري لغرض موسيقي وليس ضروريًّا أن يكون ذلك بالغناء”.

إشراك الحواس لتلبية الأنماط التعليمية المختلفة
في التساؤل الجمالي تُشرك حواس أكثر مقارنة بالتساؤلات القائمة على النصوص. ويتمتع المثير الجمالي بواقعية مادية غالبًا ما تكون أكثر تأثيرًا من واقعية النص، حيث يخاطب العينين أو الأذنين وربما الحواس الأخرى. وهذا يساعد الأطفال الذين يفضلون التعلم عن طريق البصر أو السمع أو الحركة على التركيز على المثير، ويفيد الأطفال الذين يعانون تشتت الانتباه والأطفال الملولين، لأنهم يصلون بسرعة إلى النقطة التي يمكن فيها البدء في طرح الأسئلة، نظرًا لعدم وجود نص.
“طفل عمره ٩ سنوات، وقدراته محدودة، وكان متحفِّظًا في التساؤل، أصبح نشطًا لأول مرة عندما أُعطِيَ زجاجة ماء فارغة في «لعبة تفكير»، وطُلِبَ منه التفكير في كيف يمكن للفضائيين استخدامها. قدَّم الطفل في وقت لاحق روابط منطقية جيدة بين صورتين وقطعتين موسيقيتين، وقد كانت مساهمة طويلة منه على خلاف عادته، فقد كان يُبدي تحفُّظًا كبيرًا في أثناء التساؤل القائم على النص”.

الطبيعة المغناطيسية لأعمال الفن
للعمل الفني والحِرفي تلاحم يغيب عن نصوص الفلسفة للأطفال. فإن العمل الفني والحِرفي بقوة تلاحمه الجمالي يجذب المشاهد/المستمع ويستحوذ عليه ويفرض عليه العودة إلى العمل مرارًا، ليتحصَّل على جوانب جديدة وعميقة من المعنى. يرفض العمل الفني أن يُستَعمَلَ لإثارة الأفكار الفلسفية ثم يُترَك.
وتؤدي المساءلة المتكررة التي يفرضها العمل الفني إلى انغماس يندر وجوده في معظم تجارب الأطفال، ما عدا الأطفال الذين يُعَدُّونَ نوابغ موسيقيين. إن تمكُّن أطفال تختلف قدراتهم واهتماماتهم من تخزين أعمال فنية متنوعة في أذهانهم يُعَدُّ تجربة ثرية، تشبه حفظ العديد من القصائد أو الأغاني عن ظهر قلب، ولكنها أعمق. هذه الأعمال الفنية “المخزنة” قد تصبح نقاطًا مرجعية أو موارد أو رصيدًا تفكريًّا للأطفال، وقد تؤثر في النهاية في خياراتهم الجمالية.

أشياء مميَّزة للتساؤل
– القطع الأثرية الدينية
إن القطع الأثرية الدينية تُعَدُّ نقطة جيدة لبدء تساؤل حول اعتقادات ونُسُك دينية أو غير دينية.
لا شك أن القطع الأثرية الدينية تربط الفرد بمجتمع ما. إن الاعتقاد الغيبي القابع خلف هذه القطع لا يُنَاقَشُ، ويُسَلِّمُ به المجتمع الديني بأكمله تسليمًا تامًّا. ومع ذلك، هناك مساحة للفرد للتعبير عن الأهمية الشخصية الخاصة لهذه القطع الدينية فيما يتعلق بأنظمة معتقداته وعاداته وأسلوب حياته.
قد يكون التساؤل الفلسفي مستهلَّ تجربة الأطفال للتعبير عن المعاني الشخصية للمصنوعات الدينية في دينهم. ففي المدارس البريطانية، وهي بيئة تعددية، توجد العديد من الأديان والمعتقدات اللادينية. عندما يصف الأطفال أهمية ما يعتقدونه (التوراة أو الصليب أو الآيات القرآنية على جدران المساجد) لأطفال ينتمون إلى ديانات أخرى، فإن تعبيرهم عن ذلك ليس من منطلق فردي وشخصي فحسب، بل من كونهم أعضاء مسؤولين وملتزمين تجاه مجتمعهم الديني. فهم يقدِّمون نبذة عن عالم دينهم المتماسك لأطفال من عوالم مختلفة. إن قوة التماسك الاجتماعي والعاطفي والإدراكي لتفاعلات مثل هذه لا يُبَالَغُ فيها، ففي هذه التفاعلات تواصل داعم حريص مقدِّر مثرٍ منفتح بين المجتمعات يفتقده الكبار بشدة. ومن تجربتي أرى أن الأطفال -بعيدًا عن تأثرهم باعتقادات تختلف عن اعتقاداتهم- مالوا إلى تأكيد اعتقادهم، وزادت مكانتهم الاجتماعية بين أقرانهم حينما أُعطِيَت لهم الفرصة ليناقشوا دينهم مع غيرهم في التساؤل.
طفلة عمرها ٧ سنوات لغتها الإنجليزية ضعيفة وهي من عائلة هاجرت مؤخرًا إلى إنجلترا من شبه القارة الهندية. اعتادت هذه الطفلة أن تتعرض للمضايقات من زملائها الصبيان الذي يكبرونها، وأن يتجاهلها زملاؤها في الصف. يومًا ما في أثناء تساؤل برفقة صور اختارت صورة لتمثال كبير لبوذا، وبدأت تشرح لزملائها بلهجة إنجليزية ضعيفة عن معتقدات عائلتها البوذية وعاداتهم. استمع الصف لها بإصغاء شديد. ومنذ ذلك اليوم تغيرت مكانة الطفلة في الصف. ففي استبيان نهاية الفصل الدراسي (أي بعد ٤ أشهر) كان زملاؤها يرونها من أفضل ثلاثة مفكرين في الصف. وقد خفَّ التنمر عليها بالتزامن مع ذلك، إذ لم تَعُد تتصرف على أنها ضحية محتملة.
انضمت طفلة في التاسعة من عمرها، من عائلة تنتسب إلى (شهود يهوه)، إلى نادي الفلسفة في الظهيرة عندما بدأت المجموعة مناقشة أسئلة حول الإله بقراءة جزء من كتاب “عالم صوفي” لينطلق النقاش منه. كنتُ خائفة من أن تكون زيارة الطفلة الأولى للنادي هي الأخيرة، لأن عائلتها قد لا تسمح لها بالاختلاط مع بوذي ومسلميْن ومسيحيَّيْن (من الأنجليكان) وبضعة ملحدين وبضعة لا أدريين. ومع ذلك لم تعانِ الطفلة أيَّ مشكلات في المنزل، فقد أُتِيحَت لها الفرصة في أثناء النقاش للتصريح عن معتقدها لبقية المجموعة، فهي قد أدَّت بذلك واجبها الديني.

– القطع الحِرفية
نخصص الحديث هنا عن القطع الحِرفية التي تُستَعمَلُ يوميًّا كالكأس، فعلى الرغم من أنه عادة يُصنَعُ بكميات كبيرة، فإنه يكون فريدًا بعلاقته مع الفرد. تأتي فرادته من أنه اختِير من مجموعة كبيرة من الكؤوس، ففعل الاختيار يجعله مميَّزًا. ففرادته تأتي من صلة شخصية مهمة، كأن يُهدَى الكأس إلى الفرد من شخص مهم، أو يُحيِي ذكرى حدث أو لحظة خاصة. لا شك أن أعمالًا فنية حقيقية يمكنها اكتساب أهمية شخصية أيضًا، فأنا أعرف على سبيل المثال شخصًا يرى سوناتا بيتهوفن Op.111)) نغمة حبِّه الخاصة، لكن ما يجعل الأعمال الفنية العظيمة مختلفة هو أنها مشبعة بالمعاني، فيصعب على الفرد أن يفرض معناه الشخصي عليها. فما يميِّز هذا الكأس الفريد مقارنة بالكأس العادي هو إمكانية إضفاء معانٍ شخصية عليه، ومع ذلك يظل غرضًا ذا سمات جمالية وعملية أيضًا. وللكأس طابع اجتماعي كذلك، وذلك بسبب سماته التي تربط صاحبه بسياق اجتماعي معين. فعلى سبيل المثال تعبِّر كؤوس الخزف الأسطوانية الطويلة ذات الزخارف الزهرية المبهجة في وعيي الأوروبي عن جانب معين وجوهري من الهوية البريطانية. لذا، فللكأس أهمية اجتماعية تربط بين الفرد ومجتمعه، فقد يكون الكأس نقطة اشتراك أو اختلاف في الذوق والقيم بين الفرد ومن يقدِّمون له الشاي في هذا الكأس. فالحِرف والأغراض ذات الاستعمالات اليومية تعبِّر عن الإنسان فرديًّا واجتماعيًّا. في التساؤل يمكن أن يُنظَرَ في هذه القيم والتعبيرات، فهذه الأشياء الحِرفية ديمقراطية بخلاف أعمال الفن، وذلك لأن الجميع (حتى الأطفال في المدارس) يملكون بعض هذه الأعمال التي تُعرِّفهم غالبًا.

إن الحركة بين هذه الأبعاد جميعها (الجمالية والاجتماعية والشخصية) هي التي تجعل من الكأس مصدرًا ثريًّا للتساؤل.
فالأعمال الحِرفية تملأ الفراغ بين الأعمال الفنية والأشياء اليومية التافهة. وعند مساءلة الأعمال الحِرفية في التساؤل يمكن للأطفال حينها فهم تكوينهم العاطفي والبنى العاطفية والمادية، فقد تعبِّر هذه الأغراض عن أذواق وقناعات وأساليب حياة محددة تحيط بهم في البيت والمدرسة، وهكذا يبدؤون في التفريق بين ذوق العائلة وذوق المجتمع، وذوقهم الشخصي، ويقارنون بين ذوقهم وذوق الأطفال الآخرين، ويفكِّكون ما هو فني في أنفسهم، وما هو متعلق بالفن والتصميم في استهلاكهم.

ما المثير المناسب للتساؤل برفقة الأشياء؟
إن المثير المناسب للتساؤل يمكن أن يكون شيئًا عاديًا، مثل قطعة ملابس أو مجوهرات، حيث يمكن تحويله إلى موضوع تساؤل بتحدي افتراضاتنا عنه، وكأننا نراه بطريقة جديدة. على سبيل المثال، يمكن التساؤل عن كيفية تعريف قيمة قطعة مجوهرات: أتكمن قيمتها في المواد المصنوعة منها أم في الذكريات المرتبطة بها؟ ويمكن أن يكون المثير شيئًا إشكاليًّا، مثل عمل فني مثير للجدل يُعَدُّ تدنيسًا لما هو مقدس أو شيء يبدو غير مكتمل، مثل عمل إرنست توش “الفوغا الجغرافية” (Geographical Fugue) الذي يثير تساؤلات حول مفهوم الاكتمال في الفن، وقد يكون المثير شيئًا قبيحًا أو غير مستساغ، مثل عمل الفنان داميان هيرست “استحالة الموت في ذهن شخص حي” (The Impossibility of Death in the Mind of Someone Living) الذي يتكون من سمكة قرش ميتة داخل صندوق شفاف مليء بسائل الفورمالدهيد.
إن المثير المناسب يشجع على إعادة تصور المقولات الجمالية وتلك المتعلقة بالذوق، مثل الإعجاب والنفور، الجمال والقبح، وما هو أخاذ -خاصة فيما يتعلق بالمسموعات- مما يؤدي إلى بناء معايير جديدة.

ما لا يمكن اعتباره تساؤلًا جماليًّا؟
إن التساؤل الذي يستعمل الغرض الجمالي لبدء النقاش فحسب، غالبًا ليس تساؤلًا جماليًّا.
على سبيل المثال، يمكن استعمال أعمال فنية مثل “الفصول” لهايدن أو لوحة “عربة القش” لكونستابل، ويشير كلا العملين بوضوح إلى الطبيعة، ويمكن أن يكونا نقطتَيْ انطلاق للتساؤل حول القضايا البيئية مثلًا. لكن تساؤلًا كهذا ليس جماليًّا، لأن العمل الفني لم يُقدَّم لذاته، بل ليكون مطيَّة لأهداف أخرى. إن ما يحسن فعله في هذه الحالة هو توظيف أشياء من الطبيعة أو صور لها تسد الفجوة بين الفن والتقرير، لأن الأعمال الفنية قد تكون مسببة للتشتت بدلًا من أن تساعد في التأمل في مصير الكوكب.
إن استعمالًا غير جمالي لأشياء جمالية في التساؤل لا بأس به في رأيي، لكن يجب ألا نتعامل مع هذا التساؤل على أنه تساؤل جمالي.
بعض أصناف أسئلة التساؤل الجمالي

يتقصى التساؤل الجمالي أسئلة جوهرية عن الفنون، مثل: ما الفن؟ ما الذي لا يُعَدُّ فنًّا ولا موسيقى ولا رقصًا… إلخ؟ من يقرر ذلك؟ ما المعايير التي يمكن أن تُوضَعَ للحكم؟ وهذه الأسئلة جميعها أسئلة جمالية.

وهناك أسئلة اجتماعية (سوسيولوجية) حول الفن، مثل: أي نوع من الفن ينتمي إلى مجتمعنا أو إلى مجتمع آخر؟ كيف يمكن تحديد انتماء العمل الفني وملكيته؟ كيف يمكن لمجتمعات مختلفة التعبير عن نفسها بفنِّها؟ وأسئلة أخرى فيها مساءلة للجوانب النفسية (السيكولوجية) والنفسية-الاجتماعية من وجهة نظر الطفل: لماذا أُحِبُّ بعض الأعمال الفنية وأكره الأعمال الأخرى؟ كيف يتشكَّل ذوقي الفني؟ ما التأثيرات المجتمعية والعرقية والعائلية التي يمكنني ملاحظتها في ذوقي؟ كيف يختلف ذوقي عن ذوق عائلتي ومجتمعي؟ كيف يختلف ذوقي أو يتشابه مع أذواق أقراني؟

ثمرات التساؤل الجمالي
يمكن للتساؤل الجمالي أن يعزز فهم الفرد لذاته بصفته جزءًا من مجتمعات متعددة مثل العائلة أو الجماعة العرقية أو مجموعة الأقران التعليمية، ويمكن أن يساعد الفرد على إدراك تميزه عن هذه المجتمعات، سواء أكانت طبيعية (مثل العائلة) أم اعتباطية (مثل مجموعة الأقران في المدرسة).

ويعزِّز التساؤل الجمالي المرونة والإبداع في تأويل الأعمال الفنية. على سبيل المثال، تؤدي التأويلات المختلفة للوحة تجريدية واتجاه هذه اللوحة إلى فهم أكبر لمعانيها المحتملة.
إن التساؤل الجمالي يسد الهوة بين الفهم الانطباعي الخالص الذي يكون عادة سطحيًّا، والفهم التقني الخالص للأعمال الفنية، وهذا من شأنه أن يتيح للأطفال استخلاص المعاني من تجاربهم الفنية، وذلك بتأمل الأعمال الفنية وبالتكوين المشترك للغة تعبِّر عن أفكارهم وتجاربهم.

إن التساؤل الجمالي يتعامل مع التجربة الشخصية والمجتمعية أكثر مما يفعل النص ما عدا بعض الاستثناءات (مثل الكتب المقدسة للأديان)، فإن النصوص عادة اعتباطية، بمعنى أنها ليست مشتركة بين الثقافات والأجيال.
في التساؤل الجمالي دورة فعَّالة من طرح المشكلات جماعيًّا والمساءلة والفهم والاستمتاع بالفنون، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من الانفتاح على الأساليب والتجليات الفنية غير المعهودة، ويؤدي كذلك إلى تنمية سلوك تعليلي ونقدي.
إنه منهج نخبوي للتعلم لكنه ديمقراطي كذلك، وذلك بتناوله لأسئلة عن الفنون بانضباط لا يوجد في التعليم الاعتيادي (خاصة في تعليم الموسيقى) ومع ذلك يهيئ فرصًا لمشاركة جمالية وفلسفية راقية تضم جميع الأطفال، حتى أولئك الذي ليس لهم معرفة جمالية جيدة.

قوة التساؤل الجمالي المميَّزة؟ – وضع فرضيات إن الأشياء (فنية أو حِرفية، طبيعية أو عادية) تعمل عملًا رمزيًّا. فالأشياء ذات غرض الاستعمال اليومي يمكن أن تُستَعمَلَ للطقوس، ويمكن أن تكون رمزية، ويمكن أن يكون لها معانٍ رمزية عديدة.

إن التساؤل الجمالي (خاصة التساؤل حول الأشياء ذات الأهمية الرمزية) يبحث عميقًا في نفسية الفرد والمجتمع على حدٍّ سواء. فمثل هذا التساؤل يتعامل مع جوانب من الوجود الإنساني تسبق التواصل اللفظي السلس والعقلاني، ففي بعض الأحايين تعبِّر هذه الأشياء والأغراض عن معانٍ يستحيل التعبير عنها لفظيًّا أو أن التعبير عنها لفظيًّا لا يُعَدُّ ضروريًّا. إن الأشياء ذات الأهمية الرمزية لطالما كانت وسيلة مهمة للتعبير عن الفرد وتمييزه في مجتمعه. إن التساؤل حول الأشياء ذات التأثير يمكن عدُّه منطقيًّا: سابقًا أو أساسًا للتساؤل المعتمِد على النصوص أو كامنًا فيه.
لدى جميع المجتمعات المتنوعة (الأبعد والأقرب من دائرتنا) رموزها المؤثرة. تُعَدُّ مساءلة ومشاركة فهمنا لهذه الرموز في مجتمعات التساؤل- مسعًا حسنًا للغاية.

حمل مقالة/ما معنى هذا الكأس وذلك القرش الميت