قواعد الورشة الفلسفية
رشيد العلوي _ المغرب
“جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن المؤلف وليست مسؤولية معهد بصيرة أو دار بصيرة للنشر – أو اي جهات أخرى متصلة بها من الجهات والهيئات الثقافية التنظيمية أو المانحة وغيرها”
لمجرد سماع الورشة الفلسفية يتبادر إلى الذهن النشاط العملي / التطبيقي وهو من الأنشطة الفلسفية التي تختلف جذريا عن باقي الأنشطة من قبيل: الدروس والمحاضرات والندوات واللقاءات والعروض والمناظرات الفلسفية ذات الطابع النظري المجرد، غير أن كلمة عملي pratique لم تكن في صلب اهتمام القدماء من الفلاسفة إلا من حيث كون التفكير الفلسفي يهتم بقضايا العيش الفاضل والعيش معا، وذلك لعدة أسباب.
تلتصق كلمة عملي بمجال الممارسة الفعلية لنشاط التفلسف والتفكير الفلسفي، فالورشة الفلسفية التي تتخذ أشكالا مختلفة ومتنوعة بحسب السياقات والأزمنة والأمكنة ونوعية الفئات المستفيدة منها، تطرح عدة صعوبات عملية لا يدركها الممارس الفعلي لعملية التفلسف، وهو على مسميات عدة: ممارس، مطبق، ميسر، مدير الورشة، مساعد، مرشد، مستشار…
في العديد من التجارب التي خاضها مطبقو الفلسفة les praticiens وممارسو التفلسف وممتهني التفكير الفلسفي يتم التميز بين الاستشارة الفلسفية والتي تقدم عند الطلب بحسب الحاجات الملحة، والمصاحبة الفلسفية كتلك التي يقدمها المشرف على عمل فلسفي أو بحث في الفلسفة والتي تركز أكثر على المناهج وطرق البحث أكثر مما تنصب على المضامين.
في التقاليد التي خاضها ماثيو ليبمان وأوسكار برنفييه لم يكن التصور موحدا حول صيغة الورشة الفلسفية وعن قواعد موجهة لها أو ضوابط مبنية على غايات أو أهداف متوخاة، مادامت الورشة مفتوحة للنبش في التساؤلات والأسئلة التي يطرحها المستفيدون منها، كما أن بعض الممارسات الأخرى من قبيل المقهى الفلسفي أو المختبر الفلسفي لها مسارات أخرى، فإننا لا نتحدث هنا عن الورشة الفلسفية الموجهة لطلاب البكالوريا أو لطلاب الجامعات أو لباحثين في الفلسفة داخل مراكز ومعاهد بحث عليا، بقدر ما نركز على الفلسفة الموجهة للأطفال.
غاية الورشة الفلسفية وأهميتها:
الورشة الفلسفية فضاء للنقاش الجماعي حول الأسئلة الكونية والشمولية التي يطرحها الأطفال لتطويرها بشكل نقدي يعطي معان للمضامين المدرسية (كما تحضر في مختلف المواد الدراسية) وللعلاقة مع العالم ولتطوير أراء حول الأحكام المسبقة. تهدف الورشة الفلسفية لتعزيز أهمية الموضوعات المقدمة بكامل المسؤولية والاستقلالية.
الانتظارات
- فتح المجال لطرح أسئلة الأطفال الكونية والتي تجيب عنها المواد التعليمية الدراسية والتي تخص السياسة والأخلاق والموت والحق…
- إعطاء معنى للمعارف المدرسية عبر الأسئلة التي تتعلق بالمعارف البينية؛
- تعلم قواعد المناقشة والحوار عبر الملاحظة كمشارك؛
- التساؤل مع الآخرين والوعي بأنهم يطرحون نفس الأسئلة التي أطرحها كمشارك؛
- تنمية انتظارات التضامن والانتباه للآخرين الى جانب التسامح والتفكير المنفتح لأن الورشة الفلسفية شكل من أشكال التعليم المواطن.
الغايات
- تسمح الورشة الفلسفية بالتساؤل واتخاذ المسافة اتجاه الرأي العام والتمثلات الخاصة؛
- تطوير التواصل الجماعي والسماح للطفل للمشاركة الفردية المستقلة؛
- تنظر الورشة الفلسفية للطفل المشارك كذات مستقلة قادرة على تطوير وإيجاد أجوبة خاصة من خلال التساؤل بدل البحث عن الأجوبة الجيدة والجاهزة التي يقدما التعليم للطفل؛
- تعبر الآراء التي تبلورت في الورشة الفلسفية عن فهم متقدم ومعزز للعالم.
تنسجم ممارسة الورشة الفلسفية مع مجموعة من القواعد المشتركة التي تقترحها مناهج التعليم والمواد الدراسية بخصوص تطوير الكفايات الاجتماعية والمدنية للتلاميذ واستقلاليتهم والتحلي بروح المبادرة، بحيث تهيئ المدرسة الأطفال للعيش في المجتمع، وتعزز مشاركتهم الفعالة في بناء الحياة الاجتماعية والمهنية وممارسة حريتهم بكامل الوعي بحقوق الغير ونبذ العنف. وذلك ليكونوا قادرين على الحكم والتفكير النقدي قبل أن يصبحوا فاعلين مسؤولين في العملية الديمقراطية، لأن هدف التعليم هو تكوين الأطفال لتحقيق استقلاليتهم عبر وضعيات مختلفة، وعبر مختلف أبعاد المناهج المتعددة تجيب الورشة الفلسفية على هذه الأهداف وتحققها لأنها تسمح للطفل بوضع المكتسبات المختلفة من المواد التعليمية واستثمارها في وضعيات متنوعة، مع الاخذ بعين الاعتبار أننا نتحدث عن منظومة تعليم ديمقراطية بغض النظر عن طبيعة المجتمع، بحيث يمكن لأنظمة تعليم بلدان معينة أن تكون ديمقراطية مهما كانت الشروط السياسية لذلك المجتمع.
التصالح مع الخطأ
لماذا يخشى الأطفال من الخطأ؟
الخشية من الخطأ أو الوقوع فيه هو عائق أول يواجه الطفل في عملية التعلم، بل وحتى في مراحل التنشئة تتم معاقبة الطفل لأنه أخطأ، وأغلب الظن أنه لا يعرف كيف يتصرف أو يفعل. فالتأديب على الخطأ فيما يشبه العقوبة أو الزجر لا يفيد في عملية التعلم ببساطة لأن ذلك يؤدي إلى تكوين فكرة أو قاعدة عامة للسلوك قد لا تكون مناسبة لكل الحالات وبقدر ما هي ناجحة في لحظة ما قد تكون كارثية في لحظات او مواقف أخرى.
ليس العيب في الخطأ في حد ذاته أو في ارتكابه وإنما في طريقة التأديب وتأنيب الطفل على عدم فعله فلنعكس إذن الآية: ماذا لو منحنا للطفل الحق في الخطأ؟
لنأخذ مثلا عقاب الطفل لأنه خرج إلى الزقاق للعب ودخل المنزل وملابسه ملطخة: عموما أغلب الآباء ينبهونه بالضرب أو العتاب عن فعل ذلك، لكن ما الأهم في الواقعة اللعب أم تلطيخ الملابس؟ لا تمثل الملابس في حقيقة الأمر غير وسيلة غايتها حماية البدن أولا وصحة الطفل ثانيا، فلماذا نؤدبه بحيث يمكن غسل الملابس في أية لحظة؟ لا يمكن تعويض الطفل عن لحظة الفرح والمتعة التي عاشها في الخارج مع أقرانه. وعلى العكس من ذلك نلوم الطفل لأنه لم يذهب للعب مع أقرانه ويبدو مكتئبا وأحيانا قد يتجنب اللعب لأن ذلك سيؤدي إلى تأديبه وعقابه لذا فإن الخوف من التأديب يحرم الطفل من اللعب بسبب اللباس، وبذلك تصير غايات التربية معكوسة ومنافية لروحها.
ألا يوجد من الكبار من لا تتسخ ملابسه، صحيح أن ذلك لا ينتج من اللعب وإنما من العمل، فلنتصور نجارا أو عامل بناء أو ميكانيكي يدخل إلى المنزل وكل ملابسه متسخة، قد تقنع الطفل أن مهنة الأب تحتم عليه ذلك ولكن لا تستطيع حتما إقناعه أنه لا وجود للعب دون اتساخ الملابس، والحالة هذه يكون الطفل حائرا إزاء سلوكات متناقضة وأغلب الظن غير مفهومة تصدر من الكبار أو هي جائزة للكبار وغير جائزة للأطفال، إن قواعد السلوك العام تبنى عبر مسارات تاريخية معقدة وتأتي من عادات وتقاليد وقيم رسمها المجتمع بناء على تراكم تاريخي وخبرة ميدانية بل وأحيانا متوارثة، ودون الحديث عن صراع الأجيال نكتفي بالتساؤل: لماذا يجوز لنا فرض نمط معين من السلوك انطلاقا من كونه سلوكا قويما ومستساغا ومقبولا عموميا، دون التفكير في الكيفية التي تجعلنا نتساءل عن ذلك النمط ما إن كان مستساغا بالفعل أم لا؟
العديد من السلوكات التي نفرضها على الناشئة قد تبدو لهم بدائية جدا وتمتح من تقاليد القرون الوسطى ولا يتقبلها كقناعة أو كسلوك يمكن الاقتداء به.
إن غاية الورشة الفلسفية في المرحلة الأولى هو مواجهة الطفل للخوف المتبدد لديه من الوقوع في الخطأ، ويزداد الأمر تعقيدا أكثر حينما نتحدث عن المعرفة، إن بناء التعلمات عادة ما ينطلق من بداهات ومسلمات وقواعد عامة دون فهمها والتدليل عليها لن نستطيع مراكمة المعارف، ولكن هل يعي الطفل ذلك؟ كيف يمكنه الاقتناع بقواعد لا يعرف حتى من أين أتت ويطبقها باعتبارها مطلقة؟ هذا ما يمطن تسميته بسلطان العادة.
في مجال المعرفة هناك مجال كبير للخطأ وبدونه لا يمكن للمتعلم أن يراكم معارفه، وبهذا يصير الخطأ شرط المعرفة لأن الخوف من الوقوع في الخطأ هو العائق الأكبر أمام نشاط التفكير.
يؤدي هذا الخوف إلى التراجع في المرحلة الأولى من التفكير لدى الطفل، ويصاحبه توجس من الآخرين ومن سخريتهم وتنمرهم بسبب الوقوع في الخطأ مما يجعله يحس بالفشل وبنوع من الغباء، لأن النجاح وقمة الذكاء في المعيار العام هو مصدر القوة في الفعل والتفكير معا.
ومع ذلك ثمة وسيلة جد يسيرة لمواجهة هذا الغباء، وهي أن نتحمله. فسقراط لم يكن يخشى أن يبدو أبلها، ونحن مدعوون في الورشة الفلسفية إلى الحذو حذوه. لندرب إذن أنفسنا على غرار سقراط على مساءلة ما يفرض نفسه علينا بوصفه بديهيا (سلطان العادة في حالة السلوك)، وعلى الاندهاش مما يبدو عاديا، وعلى اقتراح فرضيات كي نفحصها بعد ذلك وننتقدها. هذا هو الشرط الذي يجعل متعلم الفلسفة ينمّي بالتدريج قدراته العملية ويغير ذاته، عبر المخاطرة بنفسه والوقوع في الأخطاء، شأنه في ذلك شأن النجار وعامل البناء والميكانيكي.
ماذا عسانا نقول حينما نواجه تيه الطفل أمام الخيار بين الصائب والخاطئ، ثمة حكمة تقول: “خير الأمور أوسطها”. قد تكون هذه القاعدة مفيدة في بعض المواقف الحياتية وقد تكون كارثية في البعض منها، ولكنها قد لا تجدي بحيث تنمي في مجال المعرفة مواقف الحياد التي لا تنفع بتاتا في بناء المعارف، لأنها تؤدي إلى نزعة لا اراديه، بحيث يتم تفويض الأمر للمجهول بدل المعلوم وتقوض فعل الإرادة بما هو فعل حر دونه لا نستطيع التقدم.
ادعاء الغباء يجنبنا عقدة التفوق، وفي الآن ذاته يدفع الغير إلى ادعاء امتلاك ذكاء فائق، ولكن في الحقيقة فإن التصرف في بعض الحالات بعدم المعرفة أو بعدم قدرتك على التفكير في الموضوع أو بجهله يدفع الغير إلى تعزيز امتلاك الحقيقة لديه، ولكن بالأسئلة البسيطة والبديهية تقحمه في نقاش لم يسبق له أن خاضه يوما او فكر فيه ويكون ملزما بفحص ما لديه ما إن كان حقا أكثر ذكاء منك. وفي النهاية سيدرك أن كل ما لديه غير كاف لتبرير حقائقه المطلقة، ولا سبيل لديه إلا الاعتراف بجهله.
ليس من المفروض على المرء أن يعرف كل شيء ولا سيما في عصر التكنولوجيا حيث المعرفة ممكنة ومتاحة وبالمجان في جميع الأوقات، بل ويمكن كذلك فحصها بسرعة فائقة بفضل تطور العلوم والمعارف في العصر الحالي، غير أن ما يهمنا أكثر في الورشة الفلسفية ليس تحصيل المعرفة كما هو شائع في مراحل التعليم النظامي وإنما التفكير في تلك المعرفة وفي أدوات إنتاجها لتملك مناهج تفكير قادرة على جعل الطفل حرا من كل قيد من قيود النظام العام أي جعل إمكان الحرية أوسع من إمكان الإكراه والضبط.