ثمن التفكير

The Costs of Thinking

جوانا هاينز 

Joana Haynes 

Haynes.J 2005,’The Costs of Thinking’,Teaching’ Thinking&Creativity, pp.32-37

ترجمت المقالة بعد الحصول على الإذن الخطي من المؤلف أو الناشر

ترجمة: شيماء مرزا

تدقيق: أمل اسماعيل

هل يجب على المعلمين السماح للأطفال بالتحدث عن المواضيع الحساسة، أو المحظورة اجتماعياً، أو المثيرة للجدل في الصف؟ جوانا هاينز Joana Haynes تعتقد أنه يجب أن يجربوا ذلك!

“إذا أضفنا للأفكار أسعاراً. بعضها سيزهد ثمنه، وبعضها سيغلى كثيراً. ولكن كيف تُشترى الأفكار؟ الجواب في رأيي هو أنها تُشترى بالشجاعة.” (Wittgenstein 1988)

صفحات كتاب تعليم التفكير “Teaching Thinking” مليئة بالأفكار المجرّبة والمختبرة لتطوير التفكير الناقد والإبداعي لدى الأطفال عن طريق تمارين مرحة ومنشطة للعقل، حيث إنها تعتمد على افتراضية السياقات لحثّ الطلاب على حل الألغاز والمشاكل. أظهر العديد من المشاركين طرقاً تمثل تأثير الأساليب الإبداعية في تحسين الثقة بالنفس لدى الأطفال وتحسن الإنجاز في القراءة، والكتابة، والفهم، وتعلّم التعلم. هناك عدة أدلة تظهر أن الطلاب والمعلمين متحمسون لأساليب التعليم المثيرة للتفكير التي تتحدى الأذهان.

عندما نُقبل على فوائد توفير مجموعة من أدوات التفكير للتلاميذ كي يتمكنوا من استخدامها لتحسين طريقة تعلمهم، هل سنتحمّل في بعض الأحيان مسؤولية التصرف كما لو أن تعليم التفكير هو نشاطٌ محايدٌ قائمٌ على المهارات وغير قابل للتنافس حتى يُتفق عليه في نطاق التعليم أنه “أفضل” طريقة للتفكير؟ تعليم التفكير ليس أقل قيمة من أي جانب آخر من المناهج الدراسية؛ حيث إنه يعرض تحدّيات غير متوقعة وخيارات وقرارات صعبة يجب على المعلمين اتخاذها في الحال. ماذا سيحدث لو كان محتوى التفكير في الصفوف الدراسية يطرح أسئلةً عن المواضيع الحساسة أو المثيرة للجدل؟ هل سيتعلق الأمر حينها بالقضايا الحقيقية التي يواجهها الأشخاص الموجودون في المجتمع الدراسي وخارجه؟ كيف نقيس مخاطر التفكير وفوائده عن الأشياء الأكثر أهمية لنا؟ إذا طبقنا تعبير ويتجنشتاين Wittgenstein المجازي الذي ينص أن “الأفكار تُشترى”، ما هو نوع الشجاعة المطلوب إذن؟ كيف سيؤثر التوسّع الاجتماعي والسياسي والبيئة الصفّية على “سعر” الأفكار؟ هل سنتمكن دائماً من رؤية من سيدفع ثمن الأفكار؟

طرق التّدريس المزعجة

يفترضُ أن أساليب التدريس التي تشجع التفكير الناقد والإبداعي تكون غالباً مثيرةً للتفكير حيث إنها قائمة على عمليات التعليل، والاختلافات، والتشابه، والبدائل، والاستثناءات، والابتكار. إذا لم تتمكن هذه الأساليب من إثارة حوارٍ شغوف، ربما يجب علينا تحدي ادعاءها لتعليم التفكير. يجب أن يكون تعليم التفكير مطلباً. الفلسفة مع الأطفال تبدأ من نموذج “مجتمع التساؤل” عن طريق استخدام خصائص معينة تكشف بدايات التفكير والاستماع، وتشجع مشاركة الطلاب الصفية، وتوفر بنيةً لعمليات التفكر لإنعاش الحوار. هذه الخصائص تتضمن:

  • مثيراً أو نقطة بداية للتساؤل لحث طرح الأسئلة.
  • توفير وقت ومكان مخصص للاستماع إلى آراء الطلاب.
  • أسلوب التحكم في الذات في التدريس: أي أن المعلم لا يطرح وجهة نظره الخاصة.
  • وسيلةً أساسية شفهية للتساؤل التي تزيل حواجزَ تمنع التفكير والمشاركة للكثير من الطلاب.
  • أجندةً للحوار منشأةً من أسئلة الطلاب وتعرض بإخلاص.
  • يتأكد المعلم من أن جميع الأفكار يُستمع إليها بعدلٍ ومساواة.
  • التشجيع على اكتشاف الآراء المختلفة وتقبّلها.
  • قوانين لدعم المشاركة والتفاعل باحترامٍ بين جميع الأطراف.
  • تقبل الآراء المتعارضة وحرية تغيير الرأي.
  • تشجيع المخاطرة عن طريق تجربة أفكار جديدة واللعب بالأفكار.
  • البحث عن المعنى وعن الحقيقة.
  • في التعليل الفلسفي، لا توجد إجابات صائبة أو خطأ بشكل حتمي، بل حوارات مقنعة أو صارمة: الحقيقة هي شيء “مؤقت”.

المجتمع التساؤلي – كنموذج تعليمي – يعتمد على مبادئ أخلاقية ديموقراطية تدعم الحرية الفردية، والمساواة، وحقوق الإنسان. النزاعات بين هذه المبادئ لا مفرّ منها، وبالتالي فإن نظام التعليم له دور في تمكين الشباب من إدارة هذه الصراعات وحلّها، والبحث عن أسسٍ مشتركة، والعيش مع الإجابات المؤقتة، والاختلافات. تشير أدلة البحوث والسجلات السردية عن فلسفة الأطفال إلى مجموعةٍ متنوعةٍ من الفوائد العاطفية، والاجتماعية، والإدراكية للأطفال عندما تتوفر لهم فرص الالتحاق بالفلسفة بانتظام وعندما تشكل الفلسفة جزءًا من منهجِ المدرسة ككل. الأبحاث تشير إلى أن التطور يظهر في:

  • تقدير الذات.
  • القابلية للتعاطف والقدرة على العمل مع الآخرين.
  • استخدام لغة الحوار والتعليل.
  • التحدث والاستماع.
  • القدرات المعرفية الإدراكية.

دائماً ما يرى الأطفالُ بهجتهم بالقدرة على اللعب بالأفكار واستماع الآخرين لهم. تمكّنت المدارس – كمدرسة Tuckswood First School فيNorwich  – من تبنّي منهج تعليم التفكير الفلسفي “P4C” كجزء من التزامٍ تعتمده جميع الأطراف في المجتمع المدرسي لتقوية مشاركة الأطفال في جميع جوانب الحياة المدرسية منذ بدء المدرسة في سن الرابعة. أما الطلاب في مدرسة Kingsbrook Secondary School، فقد تحدثوا في مؤتمر SAPERE للفلسفة في مدينة لندن في نوفمبر 2004 عن تجربتهم في المجتمع التساؤلي وكيف أنها وسّعت مدى المشاكل التي بإمكانهم مناقشتها والاستطلاع عنها، وتضمن ذلك القضايا التي قد تثير الرأي العام – مثل القضايا المتعلقة بالدين، والسياسة، والعلاقات الجنسية.

حتى الآن، ما تزال احتمالية وجود أي قيمة سلبية لهذا النوع من التساؤل المفتوح ضئيلة. هل التساؤل والتفكير الناقد دائماً أمر جيد؟ هل توجد بعض الأمور التي لا يجب علينا التساؤل عنها في الصفوف الدراسية؟ هل استكشاف القضايا التي تجعلنا نتوقف للتفكير قد يساعدنا في النظر فيما إذا كان هناك بدائل للرقابة على الأسئلة الصعبة والمحيرة؟

المواضيع المثيرة للشك

بالرغم من محاولاتنا لتقبّل الحوار المفتوح المقترح من المجتمع التساؤلي، ستبقى بعض الأسئلة التي ستبث القلق فينا بسبب مسّها لمعتقداتٍ راسخة، أو حساسيّات شخصية، أو هلعٍ أخلاقي. إننا نحترم حدود الخصوصية والسرية. ونفرض حداً على الآراء المعبّر عنها بحرية. نحن محصورون في التسامح مع الطلاب عندما يعبرون عن آرائهم بالاحتجاج، كالمرة التي اختار بعض الشباب التعبير عن رأيهم عن طريق الخروج والاحتجاج ضد احتلال العراق أثناء ساعات الدوام المدرسي. في هذا الموقف، عبّر بعض البالغين عن شكهم في مصداقية رأي الشباب أو صحته، بينما تساءل الآخرون عما إذا ما سيوبخ الطلاب في المدرسة لتغيبهم عن الصف أم لا. مهما كانت القوانين واضحة، دائماً سنجد أنفسنا مستعدين للرد على الأسئلة والقضايا غير المتوقعة. ما الإحساس الذي يخبرنا بوجود “خطر” متعلق ببعض الأسئلة؟ ما حقيقة أفعالنا لحدّ الحوار؟

 أثناء الحوار مع زملائي عن موضوع تعليم أساليب تشجع المشاركة والحوار، وجدت عدداً من الأسئلة والمحاور التي قد تسبب القلق عند مناقشتها في الصف الدراسي. مثال على ذلك: بعض المعلمين يواجهون صعوبة في تقديم بعض الكتب التي نصحتهم بها بسبب ذكرها للغرباء أو أنها تؤدي لمناقشة الموت، والخوف، والأعراق الجنسية، والجنس. سبق لي شخصياً مواجهة لحظاتٍ من الحيرة، مثال ذلك عند طرح سؤال “لماذا لدى الناس أسرار؟” في صفٍّ مدرسي في المرحلة الابتدائية. لاحظت حينها تردّدي والمصادر المحتملة لقلقي والطرق التي يجب عليّ أن أتجاوب بها مع السؤال. أشعر أنه يجب علينا أن نعترف بالقلق ونتجاوزه، ثم نستخرج منه الشكوك التي يدلّ عليها لحوارٍ بنّاء.

أصوات في رأس المعلّم؟ 

القلق والغموض الذي نشعر به عند مواجهتنا للمواضيع “الصعبة” يعكس مدى تأثير العلاقات بين المعلم والطالب. المعلم هو موظفٌ مسؤولٌ من قبل القوانين العامة عمّا يحصل في الصف الدراسي وخارجه. لا يعمل المعلم بمفرده بل كجزءٍ من الوظيفة، والنظام التعليمي، والمؤسسة المدرسية، وفريق العمل. المعلم شخصيةٌ ذو سلطة ومقدمٌ للنتائج. قانونياً، يتوقّع من المعلم أن يكون مسؤولا عن أمن الطالب وسلامته. هذه الخصائص المهنية لطبيعة عمل المعلم تثير جلبةً في رأسه عند طرح موضوعٍ في الصف قد يؤدي إلى نزاعات تزعزع القيم الاجتماعية والتعليمية. مراعاة سن الطفل ونضجه قد تؤثر على أصوات القلق والقيود أثناء الحوار. يتوقع من المعلمين في المدرسة التعرّفَ على شخصيات الأطفال الفردية الفريدة من نوعها، وأفراد عائلاتهم، وأفراد المجتمع المحيط بهم، وأعضاء مجموعة أصدقائهم؛ حيث إنهم في معظم الأحيان ملزمون بالتفاوض مع مجموعات مختلفة من القيم.

تحوي السياسة والدين مواضيع مهمة للحوار ولكنها حساسة. مما يجعل المعلم حذراً في اختياره لمواضيع الحوار كيلا تؤثر آراؤه على نظرة الطلاب السياسية أو التساؤل عن أنظمة المدرسة أو التعدّي على قوانين المدرسة. كان هناك جدلٌ في الحوار عن المعتقدات الدينية من قبل الممارسين لمنهج تعليم التفكير الفلسفي للأطفال (P4C)، مقولة دارين تشيتي Darren Chetty التي نشرت في النشرة الخاصة بمؤتمر SAPERE للفلسفة في بداية سنة 2005 ثم نوقشت في يونيو، طرحت مخاوف عن احتمالية تعارض المواضيع بناءً على خبرة Darren في منهج تعليم التفكير الفلسفي (P4C)  في المدارس. وتساءلت مقولته عن إمكانية تشجيع الأطفال على عملية التساؤل وذلك للتساؤل عن معتقداتهم الدينية ونشأتهم الثقافية. أيضاً، اقترح أن المعتقدات الدينية قد تكون جزءاً مهماً من إحساس الطفل بمكانه في العالم. كما يضيف أن المعتقدات العائلية والعادات ستثير التساؤلات للطفل عندما يبلغ سن المراهقة. سيشكل كلّ من الإيمان والمنطق جزءا مهما من قرارات الطفل، وبناء عليهما سيقرر أي الاعتقادات سيتبنى وأيها سيرفض. يركّز منهج تعليم التفكير الفلسفي للأطفال (P4C)  على تعليل آرائنا؛ حيث إنها قد تُنشئُ عمليةً سليمة للتفكير.

أريد أن أوضح معنى ادعاءَهُ بشأن عملية التفكير السليم للشك المربوط بسن المراهقة. فقد لاحظت الضغوطات وعبّرت عن قلقي من إمكانية التّبحر في أساسيات المعتقدات الدينية في المدرسة وإن كانت ستزلزلُ – بغير قصدٍ – أسس المعتقدات الدينية مما قد يجعل الأطفال أكثر عرضةً للاستهداف الفكري الذي قد يزيد الفجوة بين المدرسة والمنزل.

ذكر Darren أن منهج تعليم التفكير الفلسفي للأطفال (P4C) يتبع المنهجية الديمقراطية، وأن المدارس بعيدة عن كونها مؤسسات ديمقراطية، وأن نظام اتزان القوة يرجح آراء المعلمين والمنهج السائد. بالتالي، تساؤل Darren لا يمنع طرح الأسئلة عن أسس المعتقدات الدينية بل يتساءل عن متى وأين سيجري التساؤل عنها حيث إننا نعيش في مجتمعٍ غير متساوٍ. بالإضافة إلى ذلك فإنه يريدنا أن نأخذ في عين الاعتبار سن المتعلمين ونضجهم؛ حيث إنه يريد تسليط الضوء على الطرق التي نستخدمها لفرض سلطتنا. يعبّر المعلمون عن مسؤولية هذه السلطة بطرقٍ مختلفة – بما في ذلك اللجوء إلى السيطرة أو التهرب – إذ يريد المعلمون الحد من التشتت والإزعاج في الصف؛ فهم قلقون من تخويف الأطفال وبثّ شعور عدم الأمان لديهم، ولا يريدون إزعاج الطلاب وأولياء أمورهم أو تسليط الضوء على الاختلافات الثقافية الموجودة في المجتمع المدرسي.

إن عدم الحصول على “الجواب” قد يكون أمراً مزعجاَ. بينما يسهل علينا اللجوء إلى “الصواب” أو ما تتّفق عليه الجماعة لضمان شمولية الأخلاق ونظام المدرسة. ولكن تجاهل سؤال الطفل لا يمكن أن يكون ذا قيمةٍ تعليمية، والقوانين لا تستعمل دائماً كموجّهٍ لأفعالِ المعلمين الذين يسعون للتأثير على الأطفال. تجارب المعلمين الآخرين غالباً ما تكون أكثر إفادة من المبادئ العامة للقوانين حيث إنها تساعدنا على التفكّر فيما يجب القيام به عندما نواجه مواضيع مثيرةً للجَدل.

تجربة الصف الدراسي

 في مناقشةٍ حديثة لهذه القضايا مع مجموعة من زملاء العمل، ذكرت المعلمة ليزا نايلور Lisa Naylor تجربة مماثلة حصلت لها مع طلاب صفها حيث إنها شعرت بالحيرة والقلق تجاه الطريقة التي تمارس فيها مسؤولياتها كمعلمة. تعلم Lisa طلاب الصف الخامس والسادس الابتدائي في مدرسة Gallions Primary School في منطقة حديثة التعمير في مدينة لندن، وقد مرت بالتجربة المذكورة مع صفٍّ بدأ ممارسة الفلسفة منذ سنتين. مجموعة كبيرة من الطلاب في الصف وصلوا إلى إنجلترا من بلدان عدّة في منتصف السنة الدراسية. تمثل نسبة الطلاب المسلمين الثلث، بينما يمثل الطلاب المسيحيّون الثلث الآخر، أما النسبة المتبقية فهم طلابٌ بوذيّون، أو ملحدون، أو وثنيّون، أو لم يحددوا ميولهم الدينية.  في التقرير التالي، ستصف Lisa تجربتها وما كان يدور في عقلها أثناء التجربة.

تقرير المعلمة

تم استعمال ملصق يحتوي على أشياء معتادة نراها يوميّاً كمثيرٍ لجلسة التساؤل.

الأسئلة التي طرحها الطلاب هي:

  • هل الحياة حلم كبير؟ (السؤال الذي تم اختياره)
  • هل العالم قطعة فنية؟
  • هل نحتاج الأشياء أم هل الأشياء تحتاجنا؟
  • هل هذه ألوان الغد؟
  • هل نحن ممتنّون لما لدينا؟
  • لماذا الحياة مليئة بالألوان؟
  • هل بإمكاننا العيش دون ألوان؟
  • هل الحياة مبنيّة من الأشياء؟
  • هل الأشياء تبني الحياة؟

بدأ الحوار باحتمالية أن تكون حياتنا حلماً، وكيف نعرفُ ذلك. عارض أحد الطلاب الفكرة بقوله: “الأحلام لا قيود لها، بينما هنالك قيود في الحياة”. تحاور الطلاب الآخرون عن عدم مقدرتنا معرفة إن كانت الحياة حلماً أم لا حيث إننا سنكتشف ذلك عندما “نستيقظ”.  ثم تحوّلت جلسة الفلسفة إلى حوارات عن الدين، وعندها سأل أحد الطلاب الوثنيّين زملاءه عن كيفية معرفتهم بوجود إله “ما هو الدليل الذي يثبت وجود إله؟” سأل الطالب. أجابه العديد من الطلاب أنهم ليسوا بحاجة إلى “دليل” يثبت لهم وجود إله؛ حيث إنهم يؤمنون بوجوده. ثم وجّه أحد الطلاب السؤال التالي: “كيف يمكنكم الإيمان والصلاة طيلة حياتكم لشيءٍ ما أو لشخصٍ ما لستم متأكدين تماماً من وجوده؟”. كان من الواضح أنه يصعب عليه إدراك مدى إيمان الآخرين بشيءٍ دون دليلٍ ملموس. ولكنه دائماً كان يظهر النضج والاحترام في طريقة سؤاله وغالباً ما كان يُنهي سؤاله بـ”أنا احترم دينك وأحاول أن أتعلم أكثر عن معتقداتك”. وبعد عدة حوارات حول هذا السؤال، أخبر الطالب زملاءه أنّه لا يبحث عن إجابة لسؤاله حيث إنه في كل الأحوال لا يؤمن بوجود إله. بعد انتهاء الجلسة الفلسفية، تحدّثت مع هذا الطالب وقال لي إنه من المستحيل أن نعرف جواب السؤال الذي طرحه. عدم وجود جواب لسؤاله لم يزعجه، بل أعجبه ذلك كثيراً؛ حيث إن سؤاله أثار الحوار في عدة قضايا. لحسم الحوار، عادةً يذكر الحاضرون كلمة أخيرةً لهم. عند نهاية حوارنا، قالت طالبة مسلمة متديّنة:” جلسة التساؤلات هذه جعلتني أتفكر في ديني “. هذا الموضوع لم يضجر أو يقلق الطالبة كما يبدو حيث إنها بدت واقعيةً جداً عندما طرحته. عندما سألتها لاحقاً قالت إنها تعتقد أن سؤال الطالب جعلها تمعن التفكر في دينها وأنها فعلاً لا تملك دليلا ملموساً يثبت وجود الله. كوني معلمةً، واجهتُ صعوبةً في سماع ما قالته الطالبة. بعد الانتهاء من الحوار، تحدّثت معها عن مدى أهمية طرح الأسئلة وتحدي أفكارنا ولكن هذا لا يعني أن الفلسفة تهدف للتقليل من قيمة معتقداتنا وديننا أو معارضتها.  قلقتُ من ردّة فعل أبويها والمجتمع المسلم، خفت من رفعهم شكوى للمدرسة ضد ما حدث في جلسة الفلسفة. تساءلت عن إماكنيّتي تبرير ما حدث والأسئلة التي طرحت، فالمعتقدات الدينية لهؤلاء الأطفال لا تمثّل دينهم فقط بل هي جزءٌ كبير من ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم وهويتهم. أيضاً، تساءلت عن أحقيّتي في سماحي وتشجيعي للأطفال بطرح أسئلة تمسّ معتقدات الأطفال الآخرين. كنتُ قلقةً جداً من جلسة الفلسفة وتحدّثت للمديرة عن ذلك وعمّا نوقش فيها. وكذلك راسلت عدة ميسيرين للفلسفة المتمرسين لتوجيهي. بالرغم من كلّ مخاوفي، شدتني طريقة الطالب في فتح الحوار وردّ فعل الطلاب على تساؤلاته.

البحث عن الإتزان

سواءً كنّا نتحدث عن الطلاب الأكبر سناً أو الطلاب الأصغر سناً، فستتواجد الصراعات أثناء الحوار عن أحقية أو مقدرة الأطفال والشباب على اتخاذ القرارات والأحكام بأنفسهم، وأحقية وسلطة البالغين في اتخاذ القرارات نيابة عن أطفالهم. كما يبدو لي فإن حوارنا سيوقف الأفكار عن الرغبة في عدم اليقين ومكانتها في تعليم التفكير. كما ذكر سابقاً، فإن الإجابات “المؤقتة” هي جزءٌ غير قابل للتفاوض في ممارسات الفلسفة. لا يمكننا التعامل مع جميع القضايا المثيرة للجدل بنفس الطريقة فسيرجع سبب إثارتهم للجدل لمصادر مختلفة. بالرغم من ذلك، ما زلنا نتردّد حول ملاءمة المواضيع المثيرة للجدل مثل: الحكم على الغرباء، وماذا يحدث بعد موتنا، ووجود الإله. إن تردّدنا في ملاءمة هذه الموضوعات للأطفال يحمل اعتقاداً باطناً بأنهم في حاجة إلى الحماية بطريقةٍ أو بأخرى، أو أنهم غير قادرين على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم. ما زلنا نتساءل عن مصداقية قراراتهم وآرائهم، فنحن نعتبر استقلالهم محدوداً بسبب اتكاليّتهم، وعدم توفر الخبرة الكافية لديهم. يشعر البالغون الذين يتبنون وجهة النظر هذه بأنه ينبغي عليهم تولّي السلطة عندما تُعرض المواضيع الصعبة للحوار.

عندما نتخذ قرارتٍ بالإنابة عن الأطفال فمن الضروري أن نفرّق بين الحقيقة والحماية. سيدّعي قلّة من الناس بأن الأمان العاطفي والحماية من الخطر وسوء المعاملة أشياء غير مهمة؛ فهم يعتقدون بأنها تَمنح الأطفال حرية التعلم والاستكشاف. الشّك أمرٌ مريبٌ ومختلفٌ ولكنه جزءٌ من الفضول عن العالم وعن الآخرين، وهو ما يحفزنا لتخطّي ما نعرفه حالياً. وكذلك فإن شعورنا بالشك يفتح لنا باب التفكير في وجهات نظر الآخرين. تؤكد اتفاقية حقوق الطفل وحق الطفل للحماية أن للطفل الحق في المشاركة، وعلى البالغين مسؤولية الاستماع إلى رأي الطفل. في السنوات الأخيرة، مُنحت أهميةٌ بالغةٌ لاستماع المهنيّين للأطفال منذ بداية حياتهم. إن القدرة والاستعداد للاستماع ستكون أفضل دليلٍ لعمل المعلمين في صنع القرارات المتعلقة بكيفية متابعة ومناقشة التفكير في المواضيع الحساسة. بناءً على تجاربي السابقة، عندما يعمل الطلاب معاً دائماً، ويستمع إليهم المعلم ويستمعون إلى بعضهم، فإنهم يطوّرون عادة الاهتمام باحتياجات الآخرين العاطفية. تساعد المشاركة النشطة لأولياء الأمور على توفير الضّبط والاتزان في توقعاتنا ومفهومنا عن تجربة الأطفال في المدرسة. كما يساعد كلّ من الانفتاح والتشاور على مناقشة طرق توفير الدعم والحماية للمشاركين. إذا أخذنا المشاركين على محمل الجدّ، فسوف نتساءل عن السلطة اليومية التي نفرضها نحن البالغون، والمعلمون. تتطلب مهارة الاستماع فسح المجال للتعمق في التفكّر بصمت، وإدراك عدم المساواة في السلطة، وإدراك مدى عمق القيم والاعتقادات الراسخة. في صحيفة The Guardian 2005، ذكر جوناثان جلوفر Jonathon Glover أنه إذا سارت الأمور سيرًا جيّدا أثناء الحوار، فإن المشاركين سوف يتمسّكون بمعتقداتهم أكثر في المستقبل، حيث إنهم سيكونون واعين بالطبيعة المتزعزعة لأسس المعتقدات. نحن نأمل أن الطالبَين (الولد والفتاة المسلمة) سيستمرّان في البحث والتساؤل عن أساسيات معتقداتهم. هذه الهشاشة تعد بمثابة حلٍّ للتعصب؛ فهي تخلق مساحةً مشتركةً للتّعمق في الاختلافات واستكشافها، والتعبير عن الفضول، ومشاركة الأفكار الجديدة. يتعرض الأطفال حتماً للعادات والقيم المختلفة في مجتمع المدرسة المختلط، ويوفر التساؤلُ الفلسفي البيئةَ المناسبة لاكتشاف القيم التي قد تثقف الجميع.

ما هو نوع الشجاعة التي نحتاجها؟

لا يوجد دليل أو وسيلة تساعدنا على ما سنواجهه عندما نشجع الأطفال على التفكير تفكيرًا مستقلّا، والتساؤل، والمناقشة في الحوارات التي تدور حولهم. عند نشأة موضوعٍ يصعبُ علينا مناقشته، نحتاج إلى الشجاعة لسؤال أنفسنا عمّا إذا كان القلق لدينا نحن البالغين هو ما يجعلنا نرى القضية كمشكلة. نحتاج أن نكون في حالة تأهّبٍ للقوة التي نملكها نحن المعلمين في حماسنا لتعليم التفكير الناقد؛ إذ يجب علينا البحث عن طرقٍ تجعلنا نيسّر القيادة للطلاب في التحكم في جلسة التساؤلات وإدارة الحوار فيها. يمكن للأطفال تحديد ما بوسعهم التفكير فيه والتساؤل عنه ونحن في حاجة إلى الشجاعة لمنحهم الثقة لفعل ذلك.

المراجع

  • Wittgenstein, L (1988). Culture and Value (translated by p.Winch; edited by G.V.Von Wright in collaboration with H. Nyman), Oxford: Basil Blackwell,.
    Chetty, D (2005) article published in the SAPERE newsletter in Spring 2005: www.sapere.net
  • (DfES 2001) Every Child Matters – Learning to Listen Glover, J (2005) Dialogue is the only way to end the cycle of violence The Guardian Newspaper 27 July 2005

حمّل مقالة “ثمن التفكير”