التعليم والتعلّم الفلسفي وتقدير الفضائل

Sutcliffe,R 2022,’ Philosophical Teaching-and-Learning and the Valuing of Virtues’,ANALYTIC TEACHING AND PHILOSOPHICAL PRAXIS, Vol.42,  pp.17-33.

ترجمت المقالة بعدالحصول على الإذن الخطي من المؤلف 

روجرستكليف

المترجمة: إلهام حسين.

المدققة: ثناء عليان.

الملخص

يؤكد هذا البحث على أن الفلسفة للأطفال P4C لم تُقدّر حقّ قدرها رغم نجاحها لما يزيد على خمسين عامًا، لكنها إذا ما قُدّمت بشكل مناسب قد تصبح عاملاً من أهم عوامل التغيير التربوي في القرن الواحد والعشرين، وهو تغيير جوهري بل وجودي نظرًا للتحديات التي تواجهها البشرية. ويوصي بتقديم برنامج P4C لا كممارسة متخصصة بل كأساس لبيداغوجيا عامة مناسبة لمعلميّ المواد والأعمار المختلفة يُطلق عليها اسم «التعليم والتعلّم الفلسفي» PTL (Philosophical Teaching-and-Learning )، لأن لها جدائل ستة متداخلة تعتمد على تقاليد الفلسفة وعلى ممارسة P4C. يقدم البحث نظرة عامة وأساسًا منطقيًا لهذه البيداغوجيا، ثم يركز بشكل خاص على الجديلة السادسة: «تقدير الفضائل» باعتبارها الأكثر شمولاً وإلحاحًا. لو أن كل معلم اطلّع قبل الخدمة وأثناءها على منهج P4C ثم التزم بتطوير هذه الجدائل في العملية التعليمية وخاصة السادسة منها، فسينتج عن ذلك خلق نظام تعليمي مُجدٍ.

مقدمة:

 آفات العالم الحديث – وجهة نظر شخصية

أمضيت الجزء الأكبر من حياتي في زمنٍ يُعتقد أنه ذروة التقدم البشري الاجتماعي والتكنولوجي، ولم أفكر كثيرًا في الاستعارة المسيحية القديمة لعلامات نهاية العالم الأربعة والتي تمثل الفتح والحرب والمجاعة والطاعون. ولكن هناك آفات حديثة تهدد الحضارة الإنسانية: الاستهلاكية ومختلف أشكال استغلاليتها، مثل : نظريات المؤامرة وتراجع الثقة في الحكم والمؤسسات الدولية، تغير المناخ وتدهور البيئة، كورونا أو حتى أوبئة أشد.

إن التشابه بين العلامات مذهل حتى لو لم يقتنع المرء بأنها جزء من خطة عليا، كيف يمكن أن تواجه البشرية هذه التهديدات؟ كيف يمكن تثقيف الشباب الذين سيتحتم عليهم التعامل مع أسوأ العواقب؟

لا أعتقد أن نظام STEM هو الحل (العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات) على الرغم من أن هذه المواد قد تكون جزءًا من الحل لو دُرّست بحكمة. وبصراحة لا أعتقد أن الفلسفة بطريقة التدريس المعتادة تشكل جزءًا كبيرًا من الحل أيضًا، على الرغم من معناها وهدفها الأساسي «حب الحكمة» و «السعي لحياة حسنة» إن التحديات كبيرة ومعقدة لدرجة أن تدخلاً تعليميًا واحدًا لن يوفر العلاج الكافي. لذا لن أدعي أن كل ما نحتاجه هو  P4C (الفلسفة للأطفال/المجتمعات). لكني أعتقد أن البرنامج يملك قدرة هائلة على تحسين التعليم.

وتكمن إمكانياته في أنه يُشجّع على تركيز التعليم على المهارات والقابليات والفضائل (الصفات أو نقاط القوة الشخصية والاجتماعية والفكرية) التي من شأنها أن تمنح شباب اليوم أفضل فرصة للعيش المزدهر إلى القرن الثاني والعشرين. وأهم المهارات والقابليات هي التي يمكن أن ترتبط بمبادئ P4C وممارساته وبالفلسفة.

وسأوضح ذلك لاحقًا ولكني سأشير أولاً إلى أنماط التفكير الأربعة لـ P4C: التفكير الإبداعي، والنقدي، والرعائي والمتعاون. وتوفر هذه العلامات إطارًا ممتازًا للارتقاء بتعليم مواد STEM وجميع المواد الأخرى، لكنها تشير بشكل أساسي للأنماط العامة أو «مزاج» التفكير، وليس لمناهج تربوية محددة.

وعلى النقيض من ذلك، يُظهر العرض الذي قدمته نهجًا تربويًا قويًا، يتكون من ستة «جدائل»: التساؤل، وبناء المفاهيم، والحوار، والتعليل، والتفكّر، وتقدير الفضائل. وهي مستمدة من P4C والتقاليد الفلسفية ومتوافقة مع بعض التطورات الرئيسة في التعليم في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين. وتشكّل هذه الجدائل معًا الإطار التربوي الذي أسميه «التعليم والتعلّم الفلسفي» PTL.

استلهام P4C

أشارت آن مارغريت شارب Ann Margaret Sharp لأربعة من الجدائل الستة في وصفها الدقيق لأهداف P4C: «لا يهدف برنامج الفلسفة للأطفال لمجرد تعزيز التعليل الجيد والتساؤل وتكوين المفاهيم، بل إلى تنمية الفضائل الفكرية والاجتماعية. أو بعبارة أخرى تهدف الفلسفة للأطفال إلى تنمية الحكمة» (Sharp, A.M., 1993, The Ethics of Translation, p. 11).

هنا نرى إشارة صريحة إلى: التعليل، والتساؤل وتشكيل المفاهيم وزراعة الفضائل. وقد أضفت لها: الحوار والتفكّر. أعتقد أن هذه الجدائل من مميزات P4C تمامًا كالأربعة التي ذكرتها شارب. فإن تمرينه الأساسي – مجتمع التساؤل – مدفوعٌ بالحوار العام وغنيٌ بالتفكّر الخاص.

الجدائل الستة فلسفية بطبيعتها

لكني في الواقع أعتبر الجدائل الستة سمات مميزة للممارسة الفلسفية نفسها منذ نشأتها في اليونان القديمة. لم يكن سقراط الفيلسوف الأول ولا الوحيد الذي يطرح الأسئلة باستمرار، ويرى أن التعليل ضروري لمتابعة التساؤل. وقد قدّم الفلاسفة على مرّ العصور أمثلة رائعة على الحوار والتفكّر في المفاهيم الكبرى.

من المؤكد أن كثيرًا منهم أخفقوا في ممارسة الفضائل التي دعوا إليها. ولكن يبدو أن من سمات البشر المشتركة تقدير طريقة مثلى للعيش دون الالتزام بالفضائل التي تتطلبها. بغض النظر عن كمّ الفلسفة القديمة والحديثة والسليمة والعقيمة التي تُكرّس لمفهوم أو ممارسة الأعمال أو الحياة الفاضلة.

الجدائل الستة متأصلة أيضًا في التعليم والتعلّم الجيدين.

من ناحية أخرى، يتضمن التعليم كلاً من الجدائل الستة إلى حدٍ ما.

فكل المعلِّمين يشجِّعون على:

  • الاستقصاء/التساؤل (رغم ميلهم لتفضيل أسئلتهم على أسئلة الطلاب).
  • المعرفة والفهم/ بناء المفاهيم (رغم ميلهم لإعطاء الحقائق القطعية بدلاً من التعقيد الذي يتضمنه تكوين الطلّاب لمفاهيمهم الخاصة).
  • تعبير الطلاب واستجاباتهم/ الحوار (رغم ميلهم للتواصل الكتابي على حساب الشفوي).
  • الجدل/ التعليل (رغم تقصيرهم في التحليل وانتقاد تفكير الطلاب).
  • المراجعة وما فوق التفكير /التفكّر (رغم حاجتهم لزيادة التركيز على العمليات العقلية بالإضافة للمحتوى).

ويحاول معظمهم، إن لم يكن جميعهم تربية الفضائل الحسنة (أو الصفات أو نقاط القوة) للتعلّم والحياة. ويشهد على ذلك الخطاب التربوي القوي المتعلق بـ«الصفات الشخصية» مثل المرونة وضبط النفس والتفاؤل والضمير، إضافة إلى «التوجه النمائي». ومما يؤسف له أن هذه الصفات كانت في السابق تصنّف على أنها «فضائل» إلا أن هذا المفهوم، بل والكلمة ذاتها، باتت لا تُستخدم إلا قليلاً أو تُتجنّب أصلاً. ومن الجوانب المهمة في مشروع PTL إعادة تسكين مفهوم الفضائل في الخطاب التربوي، وحتى في الخطاب اليومي.

تشكل الجدائل الستة إطاراً حديثاً وشاملاً

ولكن قبل التركيز على الحاجة إلى زيادة تقدير الفضائل، هناك نقطتان مهمتان يجب توضيحهما بشأن الجدائل الستة: أنها ترتبط بستة من أهم التطورات في التعليم في أواخر القرن العشرين وأوائل الواحد والعشرين، وأنها مكملّة لبعضها البعض. وهذا ادّعاء كبير ولا شك، ولكني سأوضحه فيما يلي:

يرتبط التساؤل بالتعلّم القائم على  ( الاستقصاء)  Inquiry-based learning IBL وهو النهج التربوي «البنائي» الواقع في قلب أنجح المناهج الدراسية الدولية، وهو البكالوريا الدولية.  هناك نزاع متزايد مستقطب ومسيّس بشأن قيمة التعلّم المبني على التساؤل مقارنة بـ «التعليم المباشر» المرتبط أحيانًا بمنهج معرفي أساسي. ولا حاجة للتعمق في الخطاب لنعرف أن من الشاذ التفكير في التساؤل باعتباره معاديًا لتطور المعرفة. فالغرض الأساسي من التساؤل – وخاصة التساؤل الفلسفي – هو التوصل لفهم أفضل بناءً على المعرفة السليمة. ومن الواضح أن التدريس الجيد يصبح عديم الفائدة إذا لم يتمكن المتعلمون من تكوين فهمهم الخاص له، ومن ناحية أخرى، سيصعب عليهم فهم ملاحظاتهم وتجاربهم لو أنّهم حُرموا من التعليم الجيد.

 على سبيل المثال: «الأفكار الكبيرة التي تشكّل العالم» تعبير معبر أضيف لـ «الصورة الكبيرة للمنهج الدراسي» وهي وثيقة أساسية أُنشئت لحكومة حزب العمّال الجديد والمناهج الإنجليزية (QCA, 2007). وقد حافظ المفهوم على مركزيته في كتيب مراقبة المدارس الإنجليزية:  «يبحث المعلمون عن أهم المعارف والمفاهيم التي يحتاج التلاميذ لمعرفتها ويركّزون عليها». لا يوجد مصطلّح متعارف عليه لهذا التركيز على الأفكار أو المفاهيم الكبيرة، ولكن «المنهج المتمحور حول المفاهيم» يجسّده جيدًا.

كان الحوار في التعليم والتعلّم الفكرة الأساسية في العمل الراديكالي لباولو فريري Paulo Freire «بيداغوجيا المضطهدين» (1968) والذي ما يزال مؤثرًا إيجابيًا على التعليم الرسمي وغير الرسمي.  وهناك نهج تربوي أحدث، يعتمد على البحوث الاجتماعية والنفسية وهو يزداد شعبية في المملكة المتحدة وخارجها، ألا وهو «التعليم الحواري».  لا يتطابق أي من النهجين تمامًا مع نهج مجتمعات التساؤل في P4C – حيث توجد مفاهيم مختلفة قليلاً عن مفهوم الحوار – ولكن يوجد بينها قواسم مشتركة كثيرة.

يمكن فهم التعليل على أنه مجرد ممارسة شكلية – مجرد جدال منطقي – ولكن لطالما كان مفهوم وممارسة التعليل في P4C أوسع وأكثر ثراءً وإنسانية. ويتشابه تطوره مع حركة التفكير النقدي، إلا أن ليبمان Lipman تمّم فكرة التفكير النقدي بالتفكير الرعائي (أو المقدّر)، وربطت آن مارغريت شارب Ann Margaret Sharp المنهج بالنسوية النقدية خاصة (1993) والتعليم الأخلاقي العالمي (1995).

ويعد التفكّر أمرًا أساسيًا في الممارسة التعليمية (أو المهنية) الجيدة لذا تقدّره جميع نظريات التعليم المطورة، سواء كان النهج تقليديًا «تعليمي» أو «بنائي» أو راديكاليًا «متمحور حول الطفل». ورغم صعوبة العثور على نهج أو حركة تسمى التعليم أو التربية «التفكّرية»، إلا أن مفهوم «التعليم التفكّري» شائع في مجال تدريب المعلّمين. ربما سيكتسب نموذج «المتعلم المتفكّر» بدوره أهمية أكبر من أي وقت مضى في عالم أدرك فجأة الأخطار التي تهدد الصحة العقلية للشباب بسبب الضغط المفرط وعدم وجود «وقت كافٍ للتفكير» أو «للوجود». (تُعدّ الممارسة المتزايدة للوعي في المدارس ترياقًا مرحبًّا به لمثل هذا الضغط، ولكن الوعي ليس سوى مثال واحد لمفهوم التفكّر الأوسع والأكثر ثراءً، يتقدّم أيضًا مفهوم ما فوق التفكير – التفكير في التفكير – للصدارة).

وأخيرًا، يرتبط تقدير الفضائل بجانب من التعليم تتذبذب شعبيته صعودًا وهبوطًا لكنه لا يختفي أبدًا : التربية الأخلاقية. سواءً عنينا الأجندة الأخلاقية للبالغين والتي تخفى غالبًا حتى عنهم أنفسهم، أو التعليم الصريح للقيم المقبولة عمومًا في المدارس، فإن التطور الأخلاقي (كما السوء الأخلاقي للأسف) سيبقى متأصّلاً في النظم التعليمية. ولكن الحاجة لرعاية المعلمين للمواقف والمبادئ والممارسات الحسنة لدى الشباب تنمو فقط في بيئة تتنافس فيها الإدعاءات الأخلاقية والسياسية. إن حركة التعليم المستندة إلى القيم ما هي إلا واحدة من العديد من الأساليب الحديثة للقيام بهذه المهمة الصعبة والضرورية. لكن نقطة البداية الجيدة لأي نهج يسعى لذلك هي التركيز على القيم وتقديرها.

إن أيًا من الأساليب التربوية المذكورة أعلاه جدير بالذكر والتدريس في برامج تدريب المعلمين. ولكن بالنظر إلى أن PTL يشير إليها جميعها ويستند إليها، فقد يكون أفضل نقطة انطلاق لأي برنامج تدريب من هذا القبيل – على الأقل البرامج التي تهدف لمنح المعلمين مهما كان تخصصهم نظرة شاملة لأفضل الممارسات الحديثة.

يمتلك إطار عمل PTL (الجدائل الستة) أصالة ونزاهة مميّزتين

من المهم الإشارة إلى أن إطار عمل PTL ليس مجرد دليل لممارسات أخرى راسخة. ففي حين أنه يستند إلى تلك الممارسات – كما يستند إلى P4C ذاته – فإنه يتمتع بنزاهته الخاصة، لأنه يقدم آراء مميزة وثوريّة أحيانًا لكل فرع من فروعه، وليس أقلها تسليط الضوء على تداخل هذه الجدائل مع بعضها البعض. لكن المجال لا يسع للتفصيل هنا لذا سنطرح نظرة عامة.

إنّ التساؤل مفهومٌ واسع يمكن ممارسته بطرق وسياقات مختلفة – بنزاهة أكبر أو أقل. حتى التعليم «القائم على الاستقصاء IBL» كما يدّعي يمكن أن يفتقر للنزاهة. إذا كانت كل الأسئلة المطروحة في الجلسة يطرحها المعلم أو تُستمد من منهج معدّ سابقَا، فلن يُلهم الطلاب لاقتراح أو متابعة تساؤلاتهم الخاصة. فيتقزّم الفضول – الذي يفترض أن يتحول لعادة تستمر مدى الحياة – في البيئة التي يُفترض بها تنميته. يمنح نهج P4C  المُطوّر الطلاب  في PTL  فرصة أكبر لطرح أسئلتهم الخاصة ويشجعهم على ذلك. لذا يفضل PTL فكرة «التعلّم المستوحى من التساؤل» بدل «التعلم القائم على الاستقصاء IBL».

يُساء استخدام مفهوم «المفاهيم» على نطاق واسع، حتى في منهج البكالوريا الدولية، فيستخدم بشكل أساسي للأسماء المجرّدة. وتُعدّ الأمثلة الكلاسيكية كالغضب والجمال والثقافة والديموقراطية والتعليم والحرية وغيرها فلسفية بشكل خاص. ويُحسب لـ P4C توسيعه نطاق المفاهيم التي تُعتبر مناسبة للبحث الفلسفي، لكن PTL وسّع النطاق بشكل أكبر ليشمل جميع المفاهيم الكبيرة والصغيرة في كل المواضيع. وبهذا يصبح التعرّف على العالم من خلال العلم أو التاريخ أو الموسيقى أو حتى الرياضة لا يعني تعلّم حقائق جديدة فقط بل يعني التوسيع المستمر للمخططات أو الأطر المفاهيمية التي نفهم العالم من خلالها. إذ تغير كل معلومة جديدة أو مضللة نظرتنا للعالم كما تغير آراءنا حول مختلف الأمور حتى لو كان تغير طفيف. فمن المحاور الرئيسية لـ PTL فهم أهمية المفاهيم وإيجاد طرق لمساعدة الطلاب على بنائها.

أُشير سابقا إلى التعليم الحواري لكن النهج المتبع في PTL متجذر بشكل أعمق في البناء الفلسفي لمفهوم الحوار كما أنه أكثر توسعًا. فهو صريح وجازم في تأكيده على أن الحوار عملية متبادلة وأخلاقية: يعتمد نجاح علاقة الطالب بالمعلم على التجاوب والمصالح المشتركة.

بالإضافة إلى ذلك فإن نهج PTL للتعليل توسعي وإنساني أكثر من برامج التفكير النقدي الأخرى. قدّم ليبمان Lipman مفهوم/ممارسة التفكير الرعائي لموازنة التركيز المفرط على الجدل والخطاب «العقلاني» – وهو تركيز تبناه السفسطائيون في اليونان القديمة وجادل ضده سقراط. وتعزز الأبحاث الاجتماعية والنفسية الحديثة التي تدور حول التحيز المعرفي التقدير الواسع للعلاقة بين التفكير والشعور والتي يشجعها PTL.

وكما وضحنا سابقًا، يعد التفكّر كمفهوم/ ممارسة ثرية أخرى يقدّرها كل معلم جيد. ولكن غالبًا ما يتم تقليص هذا الثراء لمجرد مراجعة «محتوى» التعلّم.  حيث الشعار هو «المراجعة ثم المراجعة ثم المراجعة» لكن جودة المراجعة مهمة بقدر كميتها. لذا يركز PTL على التفكّر في العمليات المعرفية والعاطفية المتضمنة في التعلم «العميق» أو ما فوق التفكير وعلى الإدارة الذاتية.

كيف يمكن تُضمين فروع PTL في المناهج الدراسية

كما ذُكر سابقًا، يمكن لكل معلّم ومتعلم تطوير ممارسته لكل الجدائل، ولكن من المفيد توضيح بعض الأمثلة لاستخدام هذه الجدائل في مواضيع محددة. (يرجى التنبّه إلى أننا نتحدث هنا عن خطوات صغيرة في التعلّم والتعليم، لا عن برامج منهجية خضعت لبحوث واسعة النطاق)

التساؤل: تتمثل الخطوة العامة البسيطة في إنشاء روتين KWL – ماذا نعرف Know؟ ماذا نريد أن نعرفWant ؟ وماذا تعلّمنا Learn؟ في بداية الموضوع ونهايته مع إضافتين هامّتين: الأولى هي أن يكون لكل طالب دفتر أسئلة يسجّل فيه أسئلة «ماذا نريد أن نعرف». والثانية هي توسعة KWL إلى KWLS – ما الذي ما زلنا نريد أن نعرفه Still؟ بحيث تُسجّل الأسئلة في نهاية الدرس كما في البداية، لتعزيز قيمة التعلم المستمر أو التعلّم مدى الحياة. لا تهم الإجابة عن جميع الأسئلة ضمن قيود الجدول الزمني! فالرسالة هي أن هناك المزيد لتعلّمه دائمًا. يحقّق هذا الروتين نتائج جيدة مع معظم المواد، ولكنّه مفيد بالخصوص لمادتي العلوم والجغرافيا «عوالم تُستكشف» ولتكنولوجيا المعلومات.

غير أن الإضافة الأكثر أهمية هي البناء المشترك بين المعلم والطلاب لـ «سؤال أساسي» (يوصف أحيانًا بأنه سؤال «كبير») لكل موضوع. هذه الأسئلة غير عادية (لكنها مهمة) أسئلة تنتمي لنوع «ماذا نريد أن نعرف»، كما يمكن أن تُثيرها مصفوفة سبنسر كاغان Spencer Kagan (سؤال Q) Q(Question)، وهناك بالتأكيد فنٌ لبنائها. إلا أن أي معلم أو طالب مطّلعين على P4C سيتعرفان على طبيعتها، وبعد قليلٍ من الاستقراء والتمثيل من قبل المعلم، فإن البناء المشترك لمثل هذه الأسئلة من الطلاب من شأنه أن يطور فضولهم تمامًا كما في P4C. ولكّن قيمة الأسئلة أكبر من ذلك بكثير، لأنها تتحول لمحفزات ومقاييس للتعلّم الهادف أثناء استكشاف الموضوع. وتخدم الأسئلة هذا الغرض ضمن أي مادة ولكنها تملك قيمة خاصة بنظري في التاريخ والعلوم الاجتماعية.

الحوار: مرة أخرى، لا توجد محاولات كثيرة لتطوير برامج منهجية متخصصة بمواضيع محددة تركز على الحوار بشكل خاص. على سبيل المثال، كان التأثير الإيجابي الذي حققه منهج ألكسندر Alexander «التعليم الحواري» على التحصيل الرياضي للطلاب نتيجة للتغير في البيداغوجيا وليس في محتوى المنهج. وهذا يدلّ على أهمية تحسين الحوار في الفصل الدراسي بقدر الإمكان. لإعطاء مثال محدد في الرياضيات، إليكم مقتطف من مدونة معلم الرياضيات أمير ساعي Amir Saei بعنوان: «الحوار والفهم الرياضي – ما هو؟»

أعطيت الطلاب مسألة أولية لحساب نقطة المنتصف لـ 8 و11. ثم طلبت منهم تقديم بعض الإجابات أمام الصف بأكمله. أجاب الطالب الأول :  9.5. فطلبت منه شرح إجابته، فقال: «نضيف 8 إلى 11، ثم نقسم الناتج على 2». وعندما سألته لماذا تعتبر هذه نقطة المنتصف لم يتمكن من التوضيح. لم أخبره ولم أبلغ الصف أبدًا إذا كانت إجابته صحيحة أم لا. أجاب الطالب الثاني : 9. فطلبت منه شرح إجابته. فقال: المسافة بين 8 و11 هي 3. نقطة المنتصف تساوي المسافة بين 8 و11. 3 مقسومة على 2 تساوي 1.5 وبالتالي فإن نقطة المنتصف تساوي 9.5» وهكذا أعطى الطالب في النهاية الإجابة الصحيحة.

إن الطالب الذي شُجّع على الحوار أوصل نفسه للفهم الصحيح. وهذا ينطبق على الجدائل الأخرى: فهي لم تُحوّل لبرامج كبرى ليُروّج لها في مواضيع محددة، لكنها توفر بؤر منفصلة لتطوير الذات؛ وذلك بتشجيع وزيادة استراتيجيات تحسين التعليم والتعلّم. إلا أن الفرع السادس يُفسّر بشكل أوسع. فهو يوفر ركيزة أخرى للتطوير الذاتي، ولكنّه يجمع الجدائل الخمسة معًا ويوسّع نطاقها.

كيف تكمّل جديلة “تقدير الفضائل” الجدائل الأخرى

يتضّح هذا بشكل أفضل عبر ربط الجدائل الأخرى بالفضائل الفكرية التي تطورّها: الفضول والانتباه (عبر التساؤل)، والإبداع والتفكير (عبر بناء المفاهيم)، والتواصل والانفتاح (عبر الحوار)، والنقدية والمعقولية (عبر التعليل)، الرعاية والتفكّر (عبر التفكّر).

إن أهمية هذه الفضائل للتقدم في الحياة والمدرسة واضحة بلا شك ويجب صقلها في التعليم في جميع المراحل، بما فيها تدريب المعلِّمين. وهذا هو الاستنتاج المنطقي للجدل المتزايد الذي يطلب من المعلمين التركيز على تطوير المهارات بقدر التركيز على زيادة المعرفة. لكن المهارة والمعرفة لا تعني شيئًا إن لم يملك الطلاب الحافز والنية لتطبيقها. فيجب أن تصبح المهارات المعرفية على وجه الخصوص عادات ذهنية – فضائل فكرية- كما يجب أن تكون مع الفضائل الأخرى من بين الأهداف النهائية للتعليم. وكان هذا بالتأكيد ما عناه جون ديوي John Dewey عندما كتب: «إذا كنا على استعداد لتصور التعليم باعتباره عملية تكوين قابليات أساسية، فكرية وعاطفية، تجاه الطبيعة وإخواننا البشر، فيمكن تعريف الفلسفة بأنها النظرية العامة للتعليم» (Dewey, 1933:358)

كيف لحق القرن الواحد والعشرين أخيرًا بديوي Dewey

لو أخذنا نظرة شاملة، فسنلاحظ ظهور محادثات قبل سنوات في عالم الأعمال حول التصالح مع «عصر المعلومات» أو «اقتصاد المعرفة». ولكن عصر المعرفة أفسح المجال بالفعل لاقتصاد البيانات وعصر الذكاء الاصطناعي، مما يزيد من ضرورة تعديل أهداف المناهج وطرق التدريس المتبّعة لتحقيقها.

ربما صُوّر التحدي الذي يواجهه المعلّمون ضمن الإطار التعليمي القديم على أنه محاولة لتحقيق التوازن بين التركيز المتزايد على المهارات، والسلوكيات، والقدرات في مواجهة قاعدة المعرفة البشرية المستمرة في النمو. في الواقع أوضحت الصورة الكبيرة للمنهج الدراسي الطريق عبر إنشاء ثلاث «بؤر تعلم» فيما أسميه إطار عمل ASK: السلوكيات والقابليات، والمهارات، والمعرفة والفهم. (في المحور الثالث تحدّث ووترز Waters عن «الأفكار الكبيرة التي تشكل العالم») منذ ذلك الحين، تناول اثنان من كبار الشخصيات، أحدهما من قطاع الأعمال والآخر من الأوساط الأكاديمية، هذه الضرورة بطريقتين متماثلتين.

المنتدى الاقتصادي العالمي: واحد وعشرون درسًا للقرن الواحد والعشرين

تحدث جاك ما Jack Ma (مؤسس علي بابا) في المنتدى الاقتصادي العالمي 2018 عن كيفية الانتقال من تعليم القرنين التاسع عشر والعشرين للقرن الحادي والعشرين (ناهيك عن القرن الثاني والعشرين) قائلاً: «لا يمكننا تعليم أطفالنا التنافس مع الآلات.» وطرح خمس بؤر مُقترحة للتعليم في المستقبل:

القيم.

الإيمان.

  • التفكير المستقل.
  • العمل الجماعي.
  • رعاية الآخرين.
  • ولم يشرح هذه البؤر أو يبررها، رغم أن الثانية بحاجة إلى شرح، ولكن البقية تبدو مناسبة للتعلّم مدى الحياة، أو بالأصح للتعلّم وللحياة.

في تلك الأثناء كان يوفا نوا هراري Yuva Noah Harari يطور واحد وعشرين درسًا للقرن الحادي والعشرين . بعد تحليل التطورات المتسارعة في المجتمعات البشرية، وجّه اهتمامه إلى دور التعليم في مساعدة الناس، صغارًا وكبارًا على مواجهة مثل هذه التحديات. فقال:

 «تركز معظم المدارس على تزويد الطلاب بالمعلومات إلى جانب مجموعة من المهارات المحددة مسبقاً مثل حل المعادلات التفاضلية أو كتابة كود البرمجة بلغة C++ أو تحديد المواد الكيميائية في أنبوب الاختبار أو التحدث باللغة الصينية. ولكن لأننا لا نملك فكرة عن شكل العالم وسوق العمل في عام 2050، فإننا لا نعرف المهارات التي سيحتاجها الناس حينئذ. قد نبذل جهدًا كبيرًا في تعليم الأطفال لغة C++ أو اللغة الصينية، ثم نكتشف بحلول عام 2050 أن الذكاء الاصطناعي تفوق على البشر في البرمجة، وأن تطبيق الترجمة الجديد من جوجل Google Translate يمكنّك من إجراء محادثة ممتازة بلغة الماندرين أو الكانتونية أو الهاكا، رغم جهلك بأساسيات هذه اللغات.»

وتتلخص توصياته بما يلي «يرى عديد من الخبراء التربويون بأن على المدارس أن تتحوّل لتدريس (العناصر الأربعة): التفكير النقدي، والتواصل، والتعاون، والإبداع. وعلى نطاق أوسع يجب التقليل من أهمية المهارات التقنية والتركيز على المهارات الحياتية العامة.»

الهِبات الأربع لـ P4C وخاصة التفكير الرعائي

تبدو قائمة هراري Harari تصديقًا قويًا للنموذج الرباعي لـ P4C (التفكير النقدي، والرعائي، والتعاوني، والإبداعي). لكن الاختلاف المهم هو اقتراح ليبمان وشارب Lipman and Sharp وتفضيلهما للتفكير الرعائي بدلاً من التواصل أو أي من العناصر الأربعة الأخرى.

في عام 1995، نشر ليبمان مقالة رائعة عنوانها: «الاهتمام كشكل من أشكال التفكير» وقد أضافت بعدًا جديدًا للفلسفة للأطفال وللمنهج ككل وهو بُعد «القيم الأساسية» (راجع قائمة ما Ma). يتساءل ليبمان في المقال: «ما هو البعد الأعلى للتفكير الرعائي بالبعد القيمي بشكل خاص؟» (ص6) وجوابه بالطبع هو التفكير الرعائي والذي يعتبر مهمًا بقدر أهمية التفكير النقدي والإبداعي إن لم يكن أكثر أهمية.

لو أخذنا نظرة خاطفة على ملخص بنائه نستنتج أن من غير المنطقي القول «أنا أراعي (س)، لكنني لا أقدّر (س)»، كما أن من غير المنطقي القول «أنا أقدر (س)، لكنه لا أراعيه». أو بعبارة أبسط «الرعاية والتقدير وجهان لعملة واحدة.» وكما عبّر ليبمان Lipman: «بدون الرعاية، تخلو مستويات التفكير العليا من القيم. وإذا خلت مستويات التفكير العليا من التقييم والتقدير فمن المحتمل أن تتعامل مع موضوعاتها بإهمالٍ ولا مبالاة، وهذا يعني انعدام رعايتنا حتى بالتساؤل ذاته» (p. 12).

هذا لا يعني أن على التساؤل – والتفكير المافوقي بشكل عام – أن يتمّا بعناية حتى يتمّا بشكل جيد. (هذه رسالة أخذها العديد من ممارسي P4C على محمل الجد، مؤكدة أن التفكير الرعائي يتضمن الاهتمام بما تفكر وما تقول، وليس مجرد الاهتمام بالآخرين ومصالحهم. وفي الواقع يمكن القول أن الثاني يتضمن الأول). أعتقد أن القول بأن التساؤل تعبير عن الاهتمام يعني بأننا يجب أن ندرك الاهتمام الذي يتضمنه التساؤل كما أن علينا تعزيز الاهتمام بالتساؤل. كان هذا على أي حال هو الشعور الذي عبّرتُ عنه في مقال بعنوان «هل التساؤل الفلسفي فاضل؟» وقد كتبته في بدايات معرفتي بـ P4C. وقلت فيه أن التساؤل الفلسفي ينبع من اهتمام عميق يصل حدّ القلق بكل شيء، بفهم طبيعة العالم والناس.

أعتقد أن هذه الحاجة لفهم كل شيء هي القوة الدافعة وراء الفلسفة والتساؤل الفلسفي. وأرى أن التساؤل أيًّا كان نوعه، فاضل  وفلسفي بقدر ما يساعد في تلبية هذه الحاجة.  فهو فاضل بإفضائه بالحد الأدنى إلى فهم العالم بشكل أفضل، وهو شرط ضروري للحكم الجيد والتصرف السليم. ولكن فيما يتعلق بفهم «الأشياء»، أو كما في مجتمعات التساؤل الفلسفي، فهم “بعضنا البعض – التعرّف على هموم الآخرين واهتماماتهم ووجهات نظرهم” فإنه فاضل لحثّه المشاركين على تكوين مجتمع أخلاقي.

وقد عبرت آن شارب Ann Sharp ولورانس سبليتر Laurance Splitter عن هذا الأمر كما يلي (1995): «إن مجتمع التساؤل في الصف الدراسي أكثر من مجرد أداة لتعليم التفكير. فهو شكلٌ من أشكال الحياة بالنسبة للأطفال المشاركين فيه.. وشكل من أشكال الممارسة الأخلاقية التي تتساوى فيها الرعاية والثقة والاحترام والتفكير الجيد» (p. 20).

وهذا هو نوع الفصول الدراسية التي نحتاجها في عالم تكثر فيه الانقسامات. حيث أن الوقت قد حان لطرح المشكلة بجرأة، ولا يوجد برنامج يضاهي P4C في تحقيق ذلك. وقبل إعادة التأكيد على هذه النقطة، سأفصّل فرع (تقدير الفضائل) في PTL بشكل أوسع، فهو الفرع الذي يركز بوضوح وفعالية على البعد الأخلاقي لـ P4C وللتساؤل الفلسفي بشكل عام.

التفريق بين التوجهات الأساسية – إطار عمل PSIQ

إن وصف ديوي لبعض التصرفات بالـ «عاطفية» بحاجة لشيءٍ من الصقل، لا سيما في ضوء طرق التفكير الحديثة والـ «سيكولوجية» حول البشر والسلوكيات. فقد تُربط الآن مثلاً بـ «الذكاء العاطفي»، أو تُصنف بشكل منفصل بوصفها تصرفات أو عادات ذاتية (شخصية) أو تبادلية (أخلاق) قابليات أو عادات أو فضائل أو نقاط قوة. أما في PTL فالتصنيف المفضّل للقابليات أو الفضائل المختلفة هو: الصفات الشخصية والاجتماعية والفكرية (or PSIQs) وتعتمد إلى حدٍ ما على تمييز أرسطو بين الفضائل الأخلاقية والفكرية. وهذا الاختصار يقلل من قلق البعض من استخدام بعض المفردات مثل «الشخصية» و «الأخلاق» و «الفضيلة أو الفضائل». هناك بالطبع، مئات الكلمات التي نستخدمها لهذه الفضائل أو الصفات، والتمييز بينها من أصعب المهام على المعلمين وعلى المدارس الفلسفية حيث أنهم يعيدون التفكير فيها وترتيبها في «مجموعة» من القيم والفضائل الخاصة بشكل دوري. أما منهج PTL فيوصي بثلاث صِفات أو فضائل أساسية في كل فئة:

  • الشخصية: الشجاعة والثقة والالتزام.
  • الاجتماعية: الرحمة، والتعاون، والرعاية 
  • الفكرية: الفضول، والنقد، والإبداع 

يشمل فرع “تقدير الفضائل” وممارستها من PTL هذه الفئات وغيرها من السلوكيات والأهداف أو القيم الواعية التي قد يتبناها مختلف الأشخاص – وخاصة المعلمين – بحيث يمكن القول إنها ترقى لتشمل أهداف التعليم كافة.

ربط PSIQs بـ P4C وبالمنهج بشكل عام

بأي معنى يمكن وصف صفات PSIQs بالفضائل أو القيم الأساسية؟ بمعنى من المعاني يمكن مقارنتها مع مجموعة القيم التي أدرجها ماثيو ليبمان Matthew Lipman مؤسس P4C باعتبارها متأصلة في ممارسة P4C. حيث أوضح منذ البداية هدف برنامج P4C كما يلي: «الهدف من برنامج مهارات التفكير P4C هو… مساعدة الأطفال على أن يزدادوا تفكيرًا وتأملاً ومراعاةً وعقلانية». فالتفكير، والتفكّر، والمراعاة والعقلانية نماذج من الفضائل.

ولاحقًا في عام 1991، دُعي في مقابلة مسجلة للتحدث عن قيم P4C فذكر ما يلي: الانفتاح، والفضول، والإنصاف، والتسامح، والاحترام، والانتباه، والمثابرة، والجدية، والتعاون، والديموقراطية.  وبالإضافة إلى تسميتها قيمًا، أعطاها ليبمان Lipman تسمية لطيفة «التزامات» لكن جميعها باستثناء الأخيرة هي بالطبع فضائل كلاسيكية.  الفضائل الأساسية في PSIQ التي لم يذكرها ليبمان Lipman بالتحديد هي الفضائل الشخصية (الرعاية والشجاعة والثقة) والفضائل الاجتماعية (التعاطف).

هناك أمران فقط يمكن ذكرهما الآن دون الخوض في جدال حول الفضائل الأساسية لـ P4C أو البدائل المُقترحة لبؤر PSIQ. الأول هو أن هذا الإطار يشبه إطار PTL الذي هو جزء منه في كونه ناتجًا عن تقييمٍ وتحليل منهجي لـ P4C وللأهداف التعليمية الأوسع التي ظهرت خلال الخمسين عامًا الماضية، بطريقة لا تشبه كتابات ليبمان السابقة ومقابلته العفوية اللاحقة. وقد لا يكون مثاليًا أو مناسبًا للجميع لكنّه قُدّم بحسن نية، وباعتقادٍ جازم بأن مثل هذا الإطار مطلوب بل وضروري لتحقيق هدف “تقدير الفضائل” في التعليم.

والثاني هو أن كل فضيلة تُختار كـبؤرة لها بالطبع ما يبررها، لكن الإطار الكلي أهم بكثير من مبررات عناصره. المبرر العام هو أنها جميعًا تلعب دورًا حيويًا في أي «نجاح» مُعتبر في التعلم وكذلك في الحياة. وينطبق هذا بشكل خاص على الصفات الشخصية. بدون الفضائل الأساسية وهي الالتزام (إرادة فعل شيء ما) والشجاعة (القدرة على القيام بالعمل، والتي تقف خلف العزم والمثابرة والعزيمة، والمرونة أو أي صفة أخرى تشابهها) والثقة (الاعتقاد بقدرة المرء على العمل) سيصعب على الفرد تحقيق أهدافه الشخصية، أو تحديد أي أهداف في المقام الأول. ومن المعروف أيضًا أن الفضائل الاجتماعية ضرورية لحياة مرضية للجميع باستثناء المُعتزِلين. وليس ثمة حاجة للتأكيد على أن الفضائل المعرفية/الفكرية ضرورية لأي مشروع ناجح، ليس أقلها فيما يتعلق بالمدرسة والتعلم مدى الحياة.

كان هذا تبريرًا عامًا لمعايير PSIQ الأساسية، وآمل أن يكون كافيًا لإقناع المعلمين (والآباء ومقدمي الرعاية) بإيلاء اعتبار أكبر لقيمتها في الحياة اليومية والمستقبلية للأطفال الذين تحت رعايتهم. إن تطوير مثل هذه السلوكيات والفضائل مهم للصغار والكبار، وكما ذكرت سابقاً لا يوجد منهج يفوق P4C في تحقيق ذلك. ولكن الغريب أن هذا الأمر ما زال يخفى على كثير من مصممي المناهج الدراسية ومديريها.

يملك منهج P4C سمعة طيبة ولكنّه لم يُقدّر حقّ قدره

لنعد للوراء قليلاً حتى تتضح لنا الرؤية. أُطلِق برنامج P4C قبل خمسين عاماً عندما نشر ليبمان Lipman رواية «اكتشاف هاري ستوتلمير Harry Stottlemeier”s Discovery» عام 1971.  ومنذ ذلك الحين، ظهرت أدلة كثيرة على أن برنامج ليبمان وفروعه المتعددة يساعد الشباب على تحقيق الأهداف التعليمية التقليدية في مجالات تتراوح ما بين القرائية والحساب إلى التعليل والتفكير الإبداعي. كما أنه يسهم في تنمية صفات يصعب قياسها كالثقة والصبر واحترام الذات. ويشهد كثير من المعلمين على تأثيره البناء على تطورهم التربوي والعملي. ويقدّر القادة التربويون ومطورو المناهج هذه الإنجازات اليوم، وقد تحول العديد منها لأهداف صريحة في خطابات مختلف المناهج. ولكن فئة قليلة فقط من القادة استثمروا في P4C رغم كونه طريقًا واضحًا يؤدي لهذه الإنجازات. لم يُضمّن P4C في أي نظام مدرسي واسع النطاق، ولم يُمثّل بشكل صحيح في أي منهج دراسي مهم. فلم يُقدّر حق قدره ولم يُفسح له المجال للإنجاز. ولا تزال قدراته على تحفيز ودعم التغيير في التعليم غير مُستغلّة.

وذلك يعود لأكثر من سبب، من ضمنها العنوان ذاته «الفلسفة للأطفال»، حيث يوحي بأنه «مادة» مبسّطة للغاية تُقدّم لمراحل ما قبل الثانوية. من الأسباب أيضًا التصوّر القائل بأنه «مجرد كلام» وأنه «منفصل عن المنهج الرئيسي» وغيرها من الأسباب. تشوّه هذه الآراء صورة المنهج بكل تأكيد ولكنّ الواضح أنّه لم يُقدّم بأفضل صورة. أختتم بالقول إنه تجب إعادة تقديمه كأساس لتطوير بيداغوجيا مناسبة للقرن الواحد والعشرين ولتنفيذها على نطاق واسع – PTL. ولتحقيق هذا الهدف، أقترح خطة طموحة تمتد من 5 إلى عشر سنوات حتى يصبح منهج P4C أساسًا لأي نظام تعليمي ومدرسة ممتازة.

P4C كمنهج أساسي، وتعليم وتعلّم الفلسفة PTL كمنهجٍ تحوّلي

أولاً: نظرًا لقدرة برنامج P4C على تنمية العناصر الأربعة للتفكير وعناصر PSIQs بشكل عام، على العاملين في برنامج P4C شنّ حملة تهدف لتوفير البرنامج للجميع، حتى يحصل كل فرد على جلسة واحدة على الأقل في الأسبوع، يُديرها ميسّر P4C معتمد. ويسهل إدخال هذا البرنامج في جداول المدارس الابتدائية، ولا يصعُب بالنسبة للمدارس الثانوية أيضًا. ويمكن أن يتولى كل قسم إدارة جلسة P4C واحدة (بالتناوب أسبوعيًا) والتركيز على البعد الفلسفي (الأخلاقي غالبًا) المتصّل بمادّته الدراسية. وهذا يعني جلسة أو جلستين لكل قسم في الفصل الدراسي الواحد.

ثانيًا: من الواضح أن هذا الاقتراح يعني ضرورة تدريب جميع معلّمي المراحل كلّها على P4C. ويمكن أن تتولّى المدارس هذا الأمر بتدريب عدد من المعلمين سنويًا على مدى عدّة سنوات. وفي الوقت ذاته يجب أن يُلزم جميع الملتحقين بكليات إعداد المعلمين بالتدرب على P4C.

 ثالثًا: إضافةً إلى التركيز على تنمية المهارات والفضائل في دروس P4C الخاصة، على المدارس تشجيع جميع معلميها في جميع المراحل على أن يصبحوا أكثر فلسفية في مناهجهم وأساليبهم التربوية. وفي حال أنهم دُرّبوا على P4C المتضمن لإطار عمل PTL فسيصبح ذلك امتدادًا طبيعيًا لكل دروسهم.

رابعًا: بالنسبة للمعلمين الذين قد لا تتاح لهم الفرصة للتدرّب على P4C وممارسته، من الممكن لهم أن يتحسنّوا كملعمين فلاسفة، إذا وضعوا أهدافًا بسيطة في إطارهم التعليمي العام وراقبوها وحققّوها، وطرحوا الأسئلة التالية على أنفسهم باستخدام مفردات ما فوق معرفية من كتاب حركات التفكير: ألف باء ما فوق التفكير.

  1. التساؤل: هل أشجع طلابي/ أطفالي على صياغة أسئلة أكثر وأفضل في برنامج P4C وفي الدروس الأخرى؟
  2. تكوين المفاهيم: هل أساعد طلابي على تكوين مفاهيم رئيسية لأفكار كبيرة في برنامج P4C وفي الدروس الأخرى، وعلى ربطها بالمعارف والتجارب السابقة؟
  3. الحوار: هل أساعد طلابي على الاستماع والاستجابة المدروسة لأفكار بعضهم البعض في برنامج P4C وفي الدروس الأخرى؟
  4. التعليل: هل أقدم مثالاً جيدًا عبر شرح وتبرير أقوالي وأفعالي، وأدعو الطلاب للاقتداء بي في برنامج P4C وفي جميع الأوقات؟
  5. التفكّر: هل أُهيّء لطلابي فرصًا كافية للتفكير والتفكّر بشكل خاص أو عام في برنامج P4C وفي الدروس الأخرى؟

أما فيما يتعلق بتقدير الفضائل، فهي تتطلب تفصيلاً أكثر مما يمكن اختزاله في هذا المقال، ولكني سأذكر بعض المؤشرات العامة. أولاً: مرة أخرى أقول أن بعض الناس (وليس الفلاسفة فقط) يعتنقون بعض «القيم» علنًا، بينما يقدّرون في الواقع وفي الخفاء أمورًا مختلفة تمامًا تصل إلى النقيض. جزء من نقاشي لصالح تقديرٍ أكبر للفضائل هو أن العديد من المناهج الدراسية تتبنى قيمًا معينة نظريًا مثل «التوازن» أو «التعلّم العميق» لكن أنظمتها تعيق تطبيق هذه المُثل على أرض الواقع. وبالتالي، لا يمارس المسؤولون عن هذه الأنظمة الفضائل التي يُعلنون تقديرها. قد يعود السبب جزئيًا لفشلهم في تقدير الأهمية الأساسية للفضائل – وهو فشل يسعى هذا المقال ومشروع PTL لتخطيه. وقد يرجع السبب جزئيًا للضغوط المُشتّتة للانتباه أو لضعف الإرادة الذي نعاني منه جميعًا.

يمكن قول الشيء نفسه عن جميع الذين حملوا قيمًا وفضائل معينة في ترويجهم لـ P4C لكنّهم لم يعطوها حقها في الممارسة، ولا أُنزّه نفسي. أؤكد مرة أخرى على أن التقدير يعني الرعاية والاهتمام، وأزيد أن الرعاية والاهتمام يعنيان العمل. لذا نحتاج تقدير الفضائل وتنميتها والاحتفاء بها بوعي ومنهجية. فمن المهم إذن التركيز على المهمة، وإنشاء قوائم خاصة بكل شخص يهدف لتحقيقها بوعي، ويا حبذا لو جمعت بين الفضائل الشخصية والاجتماعية والفكرية باتزّان. وفيما يلي بعض الاقتراحات البسيطة الموجهة للمعلّمين بشكل أساسي:

  • عرّف طلّابك على قائمتك، أو انشرها علنًا.
  • وضّح لطّلابك أنك تطمح لتحقيقها مثلهم تمامًا.
  • خصّص وقتًا للحديث عن السلوكيات التي ترتبط بهذه الفضائل، ويُفضّل أثناء جلسات التساؤل المخصّصة. (يمكن ربطها بموضوعات المناهج، خاصة الشخصيات البارزة في التاريخ أو الأدب أو حتى في العلوم).
  • امدح تصرفات طلابك الدالة على فضائل معينة، خاصة إذا كانت جزءًا من نمط تحاول تنميته.
  • ضع هذا القول المأثور نُصب عينيك: «الفضائل لا تُعلّم بل تنتقل كالعدوى» وتذكر أن ممارستك للفضائل «كاللطف أو رباطة الجأش» لا تقلّ أهمية عن تعليمها. لكن لا تقسُ على نفسك!
  • أخيرًا: يمكنك الانضمام لدورتي التدريبية الإلكترونية: «قيم المدرسة، فضائل الفرد»

واختتم بملاحظة تحذيرية لنفسي وللآخرين. هنالك مشكلة أخرى معروفة في المنهج: عند محدودية التقييم وانعدام إنسانيته، تتضاءل نتائج الطموحات في المنهج. وكلما كانت الطموحات أكثر شمولية وإنسانية، يزداد خطر التقييم الغير ملائم. بعبارة أخرى، لا ينبغي أن يصبح التقييم عدوًا للتقدّم. لكن مرة أخرى، أحث على التفاؤل الموزون بالواقعية. فالأنظمة تتغير، وعلينا أن نحاول إجراء تغييرات في تقييم المنهج كما في المنهج نفسه. فمن غير المعقول أن الذكاء البشري الجمعي عاجزٌ عن إيجاد طريقة عادلة وإنسانية للتقييم، أو الاعتراف على الأقل بالصفات الضرورية لمواجهة آفات العالم الحديث (والعديد من التحديات الأخرى). قد توفّر العلوم والفنون بعض الوسائل لمواجهة هذه التحديات، لكن الفلسفة تقدّم أفضل طرق التدريب والتطوير للإرادات والمهارات والفضائل المرغوبة.

References 

Dawes, L., English J., Holmwood R., Giles G., Mercer N. (2005) Thinking Together in Geography. Stevenage: Badger Publishing.

Dewey, J. (1933) Democracy and Education: An introduction to the philosophy of education. New York: Macmillan.

Dweck, C. S. (2006). Mindset: The New Psychology of Success. New York: Random House.

Freire, P. (1968) Pedagogy of the Oppressed. New York: Herder and Herder.

Harari, Y.N. (2018) 21 Lessons for the 21st Century. New York: Spiegel & Grau.

Hattie, John (2008). Visible Learning: A Synthesis of Over 800 Meta-Analyses Relating to Achievement. New York: Routledge.

Lipman, Matthew (1974) Harry Stottlemeier’s Discovery New Jersey: IAPC.

Lipman, Matthew (1977) Philosophy in the Classroom. Philadelphia: Temple University Press

Lipman, M. (1995) Caring Thinking. Inquiry: Critical Thinking Across the Disciplines, Volume 15, Issue 1, Autumn.

Lipman, M. (2008) A life teaching thinking. New Jersey: Institute for the Advancement of Philosophy for Children, Montclair State University.

McTighe, J. and Wiggins, G. (2013) Essential Questions: Opening Doors to Student Understanding Alexandria USA: ASCD.

Sharp, A.M. (1993) The Ethics of Translation. Critical and Creative Thinking Vol 1.1.

Sharp, A.M. (1993) Feminism and Philosophy for Children: The Ethical Dimension. Thinking Vol. 11, 3 & 4.

Sharp, A.M. (1995) The Role of Intelligent Sympathy in Educating for Global Ethical Consciousness. Keynote speech at ICPIC conference, Melbourne.

Splitter, L.J. and Sharp, A.M (1995) Teaching for Better Thinking. Melbourne: Australian Council for Educational Research.

Sutcliffe, R., Buckley J., and Bigglestone T. (2019) Thinking Moves A – Z: Metacognition Made Simple. London: DialogueWorks.

Sutcliffe R., and Lewis L. (2017) Teaching Philosophy and Philosophical Teaching. In M. Rollins, J. Haynes, and K. Murris (Eds.) The Routledge International Handbook of Philosophy for Children. Abingdon: Routledge.

Sutcliffe R. (1994) Is philosophical inquiry virtuous? Thinking, Volume 12.1

Tough P. (2012) How Children Succeed. Boston: Mariner Books.

Trilling, B., & Fadel, C. (2009) 21st Century Skills: Learning for Life in our Times. Hoboken, NJ Jossey- Bass/Wiley.

University of Cambridge Faculty of Education (2021) What is Dialogic Teaching? Available at: https://www.educ.cam.ac.uk/research/programmes/dialogic/whatis.html. Accessed on 28th June, 2021.

Values-based Education (2021) Account available at: https://valuesbasededucation.com/. Accessed on 28th June, 2021.

Waters, M. (2007) The Big Picture of the Curriculum. UK Government. Available at: https://publications.parliament.uk/pa/cm200708/cmselect/cmchilsch/memo/natcurric/ucm 34b02.pdf. Accessed 28th June, 2021.

Wiederhold C., Kagan S. (1998) Cooperative Learning and High-level Thinking: The Q- matrix. Cheltenham, Australia: Hawker Brownlow Education Pty Ltd.

Address Correspondences to: 

Roger Sutcliffe,
Director www.dialogueworks.co.uk

Email: rogersutcliffe@outlook.com

حمّل مقالة التعليم والتعلّم الفلسفي وتقدير الفضائل