The Creativity of Critical Thinking

الإبداع في التفكير النقدي

روي فاندين برينك – بادجين

يفسر لماذا نحتاج أن نفكر إبداعياً عند تقييم الجدال 

تدقيق: أمل إسماعيل

 

هناك جدل متكرر حول قضية زيادة عدد السيارات وزيادة عدد الأشخاص الذين يعانون من الربو، فقد تسببت الأولى في حدوث الثانية. غالبًا لم تُفحص العلاقة بين السيارات وارتفاع معدلات الربو؛ إذ يبدو واضحاً للعيان أنّ موادَ كيميائية غير صحية مثل أكاسيد النيتروجين تنبعث من السيارات. ومع ذلك، فإن الطلاب الذين يفكرون تفكيرًا نقديًّا يحرصون على إخضاع العلاقة بين السيارات والربو لبعض التحليلات الإبداعية. اعتبر الأطباء أن عدد حالات الربو لم ترتفع للأسباب التالية: 

  • يمكن أن يُعزى الربو إلى الكثير من المسببات المختلفة؛ مثل التلوث من محطات الطاقة والمصانع.
  • تسبب السيارات بالربو – يعتبر أحد الأسباب – لكنه ليس السبب الرئيس.
  • الزيادة في عدد الأشخاص المصابين بالربو ربما تسببت في زيادة عدد السيارات؛ إذ لا يمكن أن يتنفس الأشخاص المصابون بالربو بسهولة، لذا فمن الأرجح أنهم يحتاجون إلى التنقل بالسيارة. ولهذا، إذا كان ارتفع عدد الأشخاص المصابين بالربو، فسيزيد عدد السيارات.

يوضح التقييم الأخير مدى حاجة المفكرين النقديين إلى الخيال الإبداعي لإنشاء سيناريوهات وتفسيرات بديلة. وبالتالي، فعند النظر في الافتراضات والتعاريف والأدلة، فإن الحاجة إلى الإبداع جليّة. 

الافتراضات:

يحتاج الطلاب إلى تحديد الأجزاء الضمنية – الافتراضات الواردة في أي حجة – من خلال كونها ضمنية، يجب على الطلاب إنشاء الروابط الضرورية بين الأسباب والاستنتاجات. مثال بسيط للغاية سوف يوضح ليس فقط أهمية تطوير مهارة تحديد الافتراضات، بل أيضًا ما هي المهارة الإبداعية، وذلك من التمرين التالي: 

“من الأفضل لستيف أن يلزم الحذر؛ فهناك دب قطبي خلفه تمامًا”.

لإدخال تدريس الافتراضات للطلاب، لدى هذا المثال قدر كبير من البساطة؛ فالمثال يتكون من جزئين فقط للجدال، مما يسهل إنشاء اقتراحات حول الافتراضات التي يجب تقديمها، والتي تشمل أي (أو كل) ما يلي:

 

  • الدببة القطبية خطيرة.
  • الدب القطبي على قيد الحياة.
  • ستيف ليس دبًا قطبيًا.
  • ستيف ليس مسلحًا ببندقية قوية.
  • الدب القطبي ليس مروضًا.
  • لا يوجد أشخاص مسلحون تسليحا جيدًا يقفون وراء الدب القطبي،… وهكذا…

 

يمكن للقائمة أن تطول ولكنها توضح شكل الإجابات الإبداعية كما يجب أن تكون. هذا التمرين يمكن تكراره بإضافة جزء من نصٍ سرديٍّ أو دراميّ لإظهار الكيفية الجَدلية، فإذا كان النص منطقياً يجب وضع الافتراضات حينها. على سبيل المثال: عندما عرض ريتشارد الثالث في رواية شكسبير مملكته مقابل حصان، افترضنا أن الحصان المنشود سريعٌ وسهل الانقياد لتكون الصفقة جديرة بالاهتمام.

يتوقع علماء المناخ استمرار الاحتباس الحراري؛ ويفترضون أن الأنماط من الماضي والحاضر التي يمكن تحديدها بدقة هي أدلة موثوق بها لوصف الأحداث المستقبلية. فإذا أراد الطلاب اختبار هذه الافتراضات، فيجب عليهم في هذه الحالة إيجاد أو تصور سيناريوهات بديلة لمقارناتها مع الأحداث الفائته بطريقة إبداعية.

 

التعاريف:

قدرة أخرى مطلوبة من المفكرين الناقدين والإبداعيين تم تطويرها بممارسة التفكير الإبداعي، ألا وهي: “الاختبار الإبداعي للمصطلحات والتعاريف”. حيث يجب تشجيع الطلاب لرؤية معاني المفاهيم وجعلها مجالات مفتوحة لتفسيرات مختلفة، وإثارة اهتمامهم بمدى التغيير الذي يحدث للفرضيات مع تغير التعاريف والمصطلحات واستعمال معانٍ بديلة. مثال لذلك – وهو ما يثبت خللاً في المنهجية لدراسة بعض القضايا الجدلية – عندما حلّل الطلاب الجدل بأن العبقرية في مجال الموسيقى إنما ترجع إلى الوراثة الجينية لا لبراعة العمل ذاته. بدأ الطلاب هذا التمرين أولاً بالتشكيك في فكرة “العبقرية الموسيقية”. وقد أصر الباحث على أن درجة العبقرية الموسيقية لم تتطور بالقدر الكافي لإعطاء تعريف كامل وشامل لها. وتضمن الجدال كذلك ذكر الموسيقيين مثل باخ وكورس وكذلك بعض العائلات الموسيقية مثل شتراوس وجاكسونس. أعرب الطلاب المطالبين بدراسة تعريف مصطلح العبقرية الموسيقية عن قلقهم من ذكر بعض العائلات المعروفة في مجال الموسيقى كدليلٍ على أن العبقرية الموسيقية تورّث، وأرادوا بحث المزيد من الجوانب والظروف الضرورية التي تؤدي إلى العبقرية الموسيقية. واقترحوا معايير ضرورية مثل الأصالة في التكوين الموسيقي (مع العلم بأن استخدام مصطلح الأصالة في تعريف العبقرية الموسيقية ينشئ مشاكل ضخمة)، والمعيار الثاني هو المخرجات (باظهار أن الموسيقيين مثل باخ وموزارت كانوا مختلفين جداً عن غيرهم من الموسيقيين ذوي الإنتاجية الأقل، وكذلك الملحنين). لكنهم أصروا أيضاً على الكفاءة التقنية في الأداء كمعيار للعبقرية الموسيقية. ولذلك تضمنت الدراسة الموسيقيين الذين لم يقوموا بالتلحين مع الوضع في الاعتبار مستوى معرفتهم الموسيقية. هذا التمرين كان ناجحاً مع الطلاب وفتح أذهانهم على أهمية التعريف الصحيح للمصطلحات، كخطوة من خطوات الجدال الناجحة لتطوير التفكير الإبداعي لدى الطلاب.

 

درس آخر مثمر مع مجموعة من الطلاب الذين يتباحثون في رسالة من السفير الأمريكي بشأن قضية نيكولاس انجرام. وتجدر الإشارة إلى أن انجرام من المملكة المتحدة البريطانية كان حدثاً مهماً – حيث أُعدم بالكرسي الكهربائي – على الرغم من الاحتجاجات الدولية لإعدامه. وكانت الرسالة عبارة عن دفاعٍ عن القرار الذي قدّم لتنفيذ الحكم بالإعدام. وكان أحد الأسباب المستخدمة في ذلك هو أن المحكمة العليا الأمريكية نظرت في مسألة ما إذا كان الكرسي الكهربائي يشكل “عقوبة قاسية وغير عادية”. في حين قد قضت المحكمة العليا بعكس ذلك. وغالباً ما يكون هذا الجزء من الرسالة هو الذي يجذب أكبر قدر من اهتمام الطلاب. ربما لأنه من وجهة نظر البريطانيين فإن تعريف الكرسي الكهربائي هو وسيلة ‘غير عادية ‘ (وربما ‘قاسية’)، ولكن الطلاب فى هذه الجدلية أرادوا تفكيك التعريف بوصفه ‘القاسي وغير العادي’. وفيما يلي بعض الاعتبارات التي توصلوا إليها:

 

  • العقوبة القاسية هي العقوبة التي تؤذي. 
  • العقوبة القاسية هي التي تستمر لفترة طويلة.
  • العقوبة القاسية هي التي تملأ حواس الضحية بالرهبة والخوف. 
  • العقوبة غير العادية هي التي لا تستخدم كثيراً. 
  • العقوبة غير العادية هي التي يجدها معظم الناس بعيدة عن فهمهم. 
  • العقوبة قد تكون قاسية ولكنها ليست غير عادية (مثل اللصوص الذين تقطع أيديهم في بعض البلدان).
  • العقوبة يمكن أن تكون قاسية جداً ونادرة التطبيق (مثل رمي الناس أحياء في الماء المغلي)، إذ قد يكون من النادر استخدام هذه العقوبة وذلك لقسوتها.
  • قررت المحكمة العليا الأمريكية أن الكرسي الكهربائي عقوبة “غير عادية” لأنه لا يُستخدم في كثير من الأحيان (عكس السجن، وإلى حد مشابه الحقن المميتة كعقوبة إعدام). 
  • ربما الكرسي الكهربائي عقوبة إعدام غير عادية لأنها عقوبة قاسية.

 

وهذا مثال جيد على الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها دراسة التعاريف إلى التفكير الخلاق. فهذه الطريقة تظهر كيف استخدم الطلاب طريقة “ماذا لو… ؟” من أجل تواتر الأسئلة مثل: ماذا لو كان المعنى هو…؟ ماذا لو غيّرنا المعنى – كيف يؤثر هذا على الحجة أو الدليل؟

 

تقييم الدليل:

 يستخدم الطلاب أسلوب تقييم الدليل في كثير من الأحيان لاستنباط الأسئلة الإبداعية “ماذا لو… ؟”؛ وذلك لأنه يحفز إنتاج العديد من التفسيرات في عملية التفكير الإبداعي. قد يستخدم المؤلف الدليل ليعني به شيئاً واحداً، ولكنه في بعض الحالات قد يعني شيئاً آخر. والمثال الأسبق عن ازدياد عدد السيارات والإصابة بالربو يقع ضمن هذه الفئة. ومن النتائج المثيرة للاهتمام أن الرجال المتزوجين يعيشون فترةً أطول من غير المتزوجين. والتفسيرات الممكنة عديدة – كما هو الشأن مع مثال الربو – إذا عكسنا العلاقة الطردية بين الزواج والصحة الجيدة، كقولنا: لعل أكثر الرجال صحة هم المتزوجون. 

 

يكمن النشاط الإبداعي للطلاب في دراسة أهمية الدليل عن طريق وضع استنتاجات ممكنة تتخطى حدود مقومات الأدلة. ويسمى هذا التمرين الذي يرسم هذه الخطوات جيداً “حكاية اثنين من الأمزجة “. (من: لماذا خفف المشي اكتئاب ديكنز، تايمز، 4 كانون الثاني يناير2001)

 

عانى تشارلز ديكنز من الاكتئاب الهوسي. في ذلك الوقت لم يكن هناك علاج لهذه الحالة، كان عليه أن يجد علاجاً أو يصنعه بنفسه. عندما شعر بأن مزاجه العام بدأ في التدهور مارس الرياضة. وفي هذه الحالة، لم يقصد المشي لمدة 20 دقيقة سيراً على الأقدام، ولكن المشي من 20 إلى 30 ميلاً في اليوم. وهنا اكتشف ديكنز بالصدفة أمرًا مهماً: الممارسة القوية للرياضة على وجه الخصوص تزيد من مستوى السيروتونين في الجسم. ويمكن القول بأن مزاجنا يتحدد بمستوى السيروتونين. إن الأدوية المضادة للاكتئاب مثل Prozac تعمل علي زيادة مستويات السيروتونين. 

يمكن استخدام هذه المعلومات التي يتضمنها المقطع تمريناً آخر للطلاب لفهم كيفية تقييم الاستدلال الذي يمكن استخلاصه من الأدلة. ماذا الذي يمكن استخلاصه – إن وجد – من الأدلة التالية؟

1- الناس الذين يعانون من الاكتئاب لا يحصلون على ما قدرٍ كافٍ من التمارين الرياضية.

 2 – الناس الذين يمارسون التمارين الرياضية لا يصابون بالاكتئاب. 

3 – الناس الذين يعانون من الاكتئاب يجب أن يمارسوا الرياضة بدلاً من الأدوية مثل بروزاك.

 4 – الناس الذين يعانون من الاكتئاب يجب أن يمارسوا الرياضة القوية.

5 – من أسباب الاكتئاب عدم ممارسة الرياضة بقوة. 

6 – الأشخاص الذين لا يمارسون الرياضة سيصابون بالاكتئاب.

 7 -الناس الذين يعانون من الاكتئاب يمكن أن يستفيدوا من ممارسة الرياضة القوية.

 

وإذا أمعنا النظر في المعلومات المقدمة سنجد – بما لا يدع مجالاً للشك – أن المعلومة الأخيرة (رقم 7) يمكن استخلاصها، بينما يتجاوز الآخرون ما تدعمه الأدلة.

وعلى الرغم من أن تمرين ديكنز قد يكون بسيطاً، إلا أنها توضح كيف يعتمد التفكير النقدي على التقييم. كما أن هذا التمرين يظهر الإمكانيات الإبداعية عند النظر إلى المشكلات بطريقة العلاقة الشرطية “ماذا لو…”. حيث يمكن دراسة هذه المشاكل دون استخدام أدلة محددة كإطار للتقييم. على سبيل المثال، يمكننا أن ننظر في المثال التالي:

“إذا تم تقنين مشروعية المخدرات الممنوعة، فإن… ؟” أو “إذا تم حظر جميع إعلانات التبغ، فإن… ؟” فمن المرجح هنا أن تثير المناقشة مزيداً من الفرضيات. 

هنا سوف يراعي الطلاب في هذا التمرين ماهية أو نوعية الأدلة التي من شأنها أن تدعم كل فرضية على أفضل وجه. فعلى سبيل المثال؛ قد يتساءل الطلاب عن الأدلة المطلوبة لدعم فرضية أن حظر إعلانات التبغ من شأنه أن يخفض مستويات التدخين. وقد يجدون أن الحظر في بعض الأماكن قد أعقبه في بعض الحالات تخفيض في مستويات التدخين فعلاً، غير أن هناك أدلة أخرى تبين أن استهلاك السجائر مرتفع في البلدان التي لا توجد فيها إعلانات – كما هو الحال في الصين. وقد تؤدي مثل هذه الأمثلة المضادة إلى حجج تضاد الجدلية.  لتوجد حالة ملحة لعرض فرضيات أكثر تطوراً أو شمولاً لإجراء مزيدٍ من الاختبارات. وهذه العملية تجمع بين التفكير الخلاق والناقد.

 

إن وضوح التفكير النقدي في الإبداع يأتي إذا نظرنا إلى العلاقة بين الحقائق والأحكام. على سبيل المثال: ما هي الحقائق – استناداً إلى بعض المعايير – التي سنحتاجها للحكم على التميز أو البراعة في كرة القدم؟ أهو عدد الأهداف المسجلة؟ أو عدد التمريرات الصحيحة؟ أو عدد الاستلامات الصحيحة للكرة؟  

مع هذه الأنواع من الحقائق حول مثال كرة القدم، كيف يمكن أن نقرر من هو أفضل لاعب كرة قدم في بريطانيا؟ مثل هذا التمرين يتطلب تقييماً خلاقاً من الطلاب.

 

التفكير الناقد والإبداعي:

 يجب علي الآن تفسير ما أعنيه عندما أكتب عن الإبداع وعلاقته بالتفكير النقدي. أنا لا أقصد ذلك بالمعنى القوي لإنتاج الأفكار التي لم يجرِ التفكير فيها من قبل. ولذلك، فإني لا أتوقع أنه حتى أفضل درس في التفكير النقدي سيولد استجابات تحفيزية لتمريرة لم تأت بها المجموعات السابقة – أو حتى المعلمين. ومن الواضح أنني لا أقصد ذلك بالمعنى الأقوى لإنتاج رؤى جديدة مهمة تاريخياً. إن معنى الإبداع الذي أريد الدفاع عنه هو المعنى السيكولوجي في إنتاج الأفكار أو الرؤى التي لم يكن الطلاب أنفسهم يملكونها من قبل. هذا يتبع ويؤيد ما كتبته مارغريت [بودن] الذي ميزت بين تاريخ الإبداع والسيكولوجية الإبداعية ([بودن] 1992). وهكذا، يمكن أن تكون العلاقة بين الأفكار “Historically Creative” – إبداعية تاريخية – (كما في مثال تفكير كيبلر عن المدارات البيضاوية) و”Psychologically Creative” – إبداعية سايكولوجية – (بمعنى أن كل واحد منا قد يكوّن فكرة جديدة لم نتمكن من التفكير بها من قبل). رأيي هو أن التفكير النقدي يتطلب ويشجع ويطور الإبداع على غرار تفسير بودن Boden للإبداع السيكولوجي.

 

يتطلب التفكير النقدي الإبداع، لأن التقييم هو مركز التفكير النقدي؛ فهو يتطلب من الطلاب أن ينسجوا ترابطات – ربما لم يضعوها في اعتبارهم من قبل أصلاً – لأجل أن يقترحوا (ويطوروا) سيناريوهات وتفسيرات بديلة لم يأخذها الباحث في هذا الموضوع بعين الاعتبار صراحة؛ وذلك لرفع فرضيات لم تثر أثناء الجدال الإبداعي، ولأجل تقديم قياسات، واقتراح المتناقضات، وهلم جراً.

اكتشف الطلاب أنهم قادرون على القيام بكل هذه الأمور وأن أفكارهم (عادةً) تكون مهمة. على سبيل المثال، عندما تعرف الطالب على الدليل الذي يوضح ارتفاع مستوى التدخين في الصين، وقال إنه جاء مع فرضية/ تفسير أن هناك صلةً بين هذا وسياسة الطفل الواحد المتبعة في الصين، فقد رأى الطالب اتساقاً في أن “كليهما وسيلتان لتقليل عدد السكان”. وسواءً كان هذا صحيحاً أم لا، فهو غير مهم. هو مثال على استخدام المعلومات استخداماً خلاّقاً من الطالب، وهو أيضاً يفسر الدليل على أن أحداً لم يسبقه للوصول إلى هذه الفكرة الخلاقة من قبل في جميع الجلسات الفلسفية التي استخدمت فيها هذا المثير قبلاً. 

 

المعرفة السابقة:

يشير البعض إلى أنه إذا كان الطلاب يفتقرون إلى المعرفة الأساسية (المعرفة السابقة) فإن قدرتهم على الاستجابات الخلاقة ستكون محدودة. فإذا كان الطلاب – على سبيل المثال – يعرفون القليل جداً (أو لا شيء مطلقاً) عن النظام السياسي والاقتصادي لبلدٍ ما، فكيف يمكنهم – كما يقال – أن يقيموا أي دليل عن ذلك البلد؟ وأنا أقبل أن هذا الجهل يحد من تفكيرهم في بداية الأمر، ولكنه لا يمنعهم من إنتاج تفسيرات وفرضيات ممكنة. ويمكن أن يعاد النظر في هذه المعلومات بدورها في ضوء معلومات يكتشفها الطلاب فيما بعد عن هذا البلد من خلال أبحاثهم. وهذا يشبه عالم الفلك الذي يرفع فرضيات حول طبيعة كوكب ما خارج نظامنا الشمسي على أساس المعرفة القليلة جداً المتوفرة لديه، ثم تظهر الفرضيات في وقت لاحق على أنها زائفة أو غير صحيحة، ولكن ينبغي ألا نعترض على وضع الفلكي لهذه الفرضيات في المقام الأول. دعونا نعود إلى مسألة التدخين والإعلانات؛ إذا لم تكن لدينا معرفة مفصّلة عن النرويج والبرتغال، هل يمكننا أن نفعل أي شيء مع الدليل القائم على أن كليهما سجل زيادة فوق المتوسطة في مستوى التدخين فوق أوروبا – على الرغم من حظر الإعلان عن التبغ؟ بالتأكيد، يمكننا أن نقدم تفسيرات ممكنة ومحتملة؛ إذ يمكننا بناء عدد من السيناريوهات الممكنة. التفكير النقدي يطور الإبداع بالإضافة إلى الحاجة والتشجيع عليه. يدرك الطلاب أن بإمكانهم إنشاء تفسيرات وفرضيات من أجل بناء حجج بديلة. فالتفكير النقدي – مثل أي مهارة أخرى – يمكن للطلاب الحصول عليه وممارسته. ويتحسن مستوى هذه المهارة لدى الطلاب بزيادة مجموعة التقييمات وثرائها وعمق تحليلاتها. 

 

تدريس التفكير الناقد: 

أدرّس مقرر التفكير الناقد بمستوى AS، لذا أقيّم أنا وطلابي الحجج الجدلية كثيرًا. ومع ذلك، فالتفكير النقدي يمكن وينبغي القيام به أينما ظهرت الحجج في سياق الدروس الأخرى. يتطور التفكير الإبداعي المتضمن التفكير النقدي بالحوار، الذي يعد صميم التفكير الإبداعي. علينا أن نعمل معا لكشف النقاشات وتقييمها؛ إذ يبني كل فردٍ على رؤى الآخرين. بهذه الطريقة، تتطور أجزاء معرفتنا حول الموضوع تطوراً تعاونياً في منظور جديد. لذا فإن ممارسة تقييم الحجج والدلائل تساعدنا على اكتساب المزيد من المعرفة والفهم. (انظر مثال حوار الفصول الدراسية أدناه).

 

تحليل”اللوم” بالحوار

كان الحوار التالي مع الأحداث الجانحين استجابة لنص في قصة ماثيو ليبمان الفلسفية المعنونة بـ (مارك). وأثار الحوار مسألة ما إذا يجب لوم الشخصية الرئيسية مارك إذا ما اتضح أنه خرب مدرسته. أما السياق فكان سماعه بانتقال شركة أمه وهو ما يتطلب انتقال العائلة، وهو ما أثار مارك ليشتكي من “هذا المجتمع الغبي!”.  كما أخبرته صديقته بأنها تواعد ولدًا آخر، ليفتعل جدالًا في مكتبة المدرسة. 

 

(روي فان بودجن): إذًا فالسؤال الذي سنتحاور بشأنه هو هل يُفترض عدم لوم مارك على ما فعله في المدرسة من تخريب نظرًا للأشياء العديدة التي واجهها. هل تود أن تضيف أي شيء يا ريتشارد عن سؤالك؟

(ريتشارد): حسنًا، لو لم تحدث هذه الأشياء كلها ما كان ليحطم ما في المدرسة ويخربه. كان مارك سيشاهد المباراة بدلًا من ذلك.

(مايكل): أنت لا تعرف ذلك. ربما كان سيفعلها..

(ريتشارد): بالطبع أنت تعرف ذلك وتفهمه. تلك هي النقطة. كان غاضبًا ولذا خرب الأشياء. لم يكن بطبيعته هكذا. 

(مايكل): حسنًا، لكنك للتو أجريتَ تحليلًا بعديًا ولا يمكنك ذلك. كان غاضبًا لذا أتلف الأشياء. تهربت لتوك من السؤال.

(ريتشارد): لكن لا بد من وجود رابط ما. أعني الأمر واضح. 

(روي فان بودجن): إذا كنتَ تعتقد بأن سلوك مارك يمكن شرحه وتبريره بما حدث له، فهل هذا يعني بأن مارك غير مُلام على ما فعل؟

(ريتشارد): لستُ متأكدًا… لا أعلم

(توني): كان الخيار بين يدي مارك. كان باستطاعته أن يُشاهد المباراة. كان باستطاعته أن يقصد المنزل فقط. 

 

يركز هذا المقتطف من الحوار على إمكانية التفكير النقدي على اكتشاف العلاقة بين الدليل والاستنتاجات. كما يظهر أيضًا كيف للغة العملية للتفكير النقدي (المُستخدمة دون الوعي الذاتي) أن تستخدم للمساعدة في عملية التوضيح. 

  

 —————————-

*شاركَ روي فان دن برينك- بودجن على مدار خمسة عشر عامًا في إنتاج مواد التقييم في التفكير الناقد، وهو الآن كبير الفاحصين في AS Critical Thinking لمجلس أمناء امتحان OCR التفكير النقدي، ويدرّس التفكير الناقد للأحداث الجانحين، كما درّس الطلاب في برنامج التميز. وقد كتب العديد من المواد المستخدمه لتدريس التفكير النقدي التي تستخدم على نطاق واسع في المدارس والكليات.

 

المراجع

References:  Boden, M. (1992) The Creative Mind, Sphere Books.

 

.

 

تعليم التفكير الفلسفي P4C

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *